الأربعاء, 29 يوليو 2026
46
لم يعد الفضاء الإلكتروني مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية، ومنبرًا تتشكل فيه الأفكار والمواقف، وتُبنى من خلاله السمعة أو تُهدم. غير أن هذه المساحة الواسعة، التي كان يُفترض أن تعزز حرية التعبير، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للفوضى، تمارس فيها جرائم التشهير والابتزاز ونشر الشائعات وخطابات الكراهية وانتهاك الخصوصيات، في ظل فراغ تشريعي أو ضعف في تطبيق القوانين.
إن المشكلة لا تكمن في التطور الرقمي، وإنما في غياب الضوابط القانونية التي تواكب هذا التطور. فحين يشعر المسيء أن بإمكانه الإساءة إلى الآخرين دون مساءلة، تتحول المنصات الإلكترونية إلى بيئة خصبة للفوضى، وتصبح الجريمة الرقمية جريمة يفلت مرتكبها من العقاب، بما يشجع آخرين على تكرارها واتساع نطاقها.
لقد حذرت الحلقة النقاشية التي نظمتها نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين من خطورة هذا الواقع، باعتباره تهديدًا مباشرًا للسلم المجتمعي، وتقويضًا للثقة بين المواطنين، وإساءة إلى رسالة الإعلام التي تقوم على الحقيقة، واحترام الكرامة الإنسانية، والالتزام بأخلاقيات المهنة.
إن الدفاع عن حرية الرأي والتعبير لا يمكن أن يكون مبررًا لتحويل الحرية إلى فوضى. فكما أن لكل إنسان الحق في أن يعبر عن رأيه، فإن للآخرين الحق في أن تُصان كرامتهم، وتحترم خصوصيتهم، وألا يكونوا ضحايا للتشهير أو التحريض أو الابتزاز. فالحرية التي لا يضبطها القانون تتحول إلى اعتداء على حقوق الآخرين، وتفقد قيمتها الأخلاقية والقانونية.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحة لإقرار تشريعات حديثة تنظم النشر الإلكتروني، وتواكب التحولات التقنية المتسارعة، وتوفر الحماية للمجتمع دون أن تمس جوهر حرية الصحافة والإعلام. فالقانون العادل لا يصادر الآراء، وإنما يردع التجاوزات، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ويضمن أن تبقى المنصات الرقمية فضاءً للحوار والبناء، لا للهدم والإساءة.
إن المجتمع الذي يعجز عن حماية أفراده من جرائم التشهير والتحريض والكراهية، هو مجتمع مهدد بفقدان الثقة، واتساع الانقسامات، وإضعاف مؤسسات الدولة. ولذلك فإن مسؤولية السلطات المختصة اليوم ليست مسؤولية إدارية فحسب، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية، تقتضي الإسراع في تحديث المنظومة القانونية، وتفعيلها بعدالة وحياد، حتى لا يبقى الفضاء الإلكتروني منطقة خارج نطاق القانون.
إن الرسالة التي رفعتها نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين ليست دعوة إلى تقييد الحريات، بل إلى حمايتها من العبث، وليست انتقاصًا من حق التعبير، بل دفاعًا عنه في إطاره القانوني والأخلاقي. فالإعلام المسؤول لا يزدهر في بيئة الفوضى، وإنما في ظل قانون عادل، وقضاء مستقل، ومؤسسات قادرة على إنفاذ القانون دون تمييز.
فالكلمة أمانة، والحرية مسؤولية، والدولة التي تحمي حق مواطنيها في التعبير، مطالبة كذلك بحماية حقهم في الكرامة والأمن والعدالة. وعندما يتحقق هذا التوازن، يصبح الإعلام شريكًا في بناء المجتمع، لا معولًا في هدمه.