الجمعة, 31 يوليو 2026
115
أن الإمعان في جذور الأزمات، ومناقشة حدود تغيير الحكومات، وقراءة تجربة المشاركة في السلطة، يمكن أن نصل إلى استخلاص نتيجة رئيسية مفادها أن الأزمة، وفق هذه القراءة، لا تكمن في الأشخاص الذين يتعاقبون على إدارة الدولة بقدر ما تكمن في طبيعة المنظومة السياسية التي تُنتج القرار وتحدد اتجاهاته.
فالدول التي تمر بأزمات عابرة قد تتمكن من تصحيح مسارها عبر تغيير حكومة، أو استبدال مسؤولين، أو مراجعة بعض السياسات. أما عندما تصبح الأزمات جزءًا من بنية النظام نفسه، فإن تلك الإجراءات، مهما تكررت، تظل محدودة الأثر لأنها تتعامل مع النتائج أكثر مما تتعامل مع الأسباب.
ومن هنا، فإن النقاش العام لا ينبغي أن ينحصر في أسماء من يتولون المناصب، بل في طبيعة البيئة السياسية والمؤسسية التي يعملون في إطارها، ومدى قدرتها على إنتاج إدارة رشيدة، ومؤسسات فاعلة، وآليات حقيقية للمساءلة والرقابة. فكلما بقيت هذه البيئة على حالها، بقيت احتمالات إعادة إنتاج الأزمة قائمة، حتى وإن تبدلت الحكومات وتغير المسؤولون.
وفي السياق الجنوبي، يذهب هذا التحليل إلى أن استمرار تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية والاقتصادية، رغم تعدد الترتيبات السياسية وتغير الحكومات، التي أضحت تشكل المزيد من العبئ على كاهل الناس بل كونها مجرد تغييرات شكلية ليس بمقدورها ملامسة الواقع أو بإمكانها إختراق جدار الأزمات المتجذرة والعميقة التي لا يمكن لها أن تختزل في تغيير وزير أو تشكيل حكومة جديدة هي أعجز ما تكون عن القيام بكامل واجباتها ومسؤولياتها المناطة بها، وأن أي معالجة لا تتناول جذور الأزمة ستظل معرضة لإعادة إنتاج المشهد نفسه بصور مختلفة.
ومن هذا المنطلق، نرى أن أي مشروع سياسي، أياً كان توجهه، لا يمكن الحكم عليه من خلال شعاراته أو حجم تمثيله في مؤسسات السلطة، وإنما بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين، وعلى مدى انسجام ممارساته مع الأهداف التي أعلنها منذ البداية. فالمشروعات السياسية تكتسب مشروعيتها من قدرتها على تحويل الوعود إلى سياسات، والشعارات إلى نتائج، والتطلعات إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية.
ولا يعني ذلك أن طريق الإصلاح أو التغيير طريق يسير أو قصير، فالتجارب السياسية تؤكد أن معالجة الأزمات البنيوية تتطلب إرادة سياسية، ورؤية واضحة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ السياسات بكفاءة، إلى جانب وجود بيئة تسمح بالمحاسبة، وتمنع إعادة إنتاج الاختلالات التي قادت إلى الأزمة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في البحث عن وجوه جديدة لإدارة الواقع القائم، بل في البحث عن مقاربة جديدة لإدارة الدولة نفسها، مقاربة تنطلق من مراجعة أسباب الفشل، وإعادة بناء المؤسسات، وترسيخ قواعد الحكم الرشيد، بما يضمن أن تكون الدولة إطارًا لخدمة المجتمع، لا عبئًا إضافيًا عليه.
وخلاصة هذا أن الأزمات، مهما بلغت حدتها، لا تُقاس بعدد الحكومات التي تعاقبت أو المسؤولين الذين تبدلوا، وإنما بقدرة النظام السياسي على مراجعة ذاته، وتصحيح مساره، وإيجاد حلول تعالج الأسباب قبل النتائج. فحين تغيب هذه المراجعة، يبقى تغيير الوجوه مجرد دورة جديدة داخل المشهد ذاته، بينما تستمر الأزمات في إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.
وبغض النظر عن اختلاف الرؤى السياسية حول مستقبل اليمن أو الجنوب، فإن الحقيقة التي يصعب تجاوزها هي أن استعادة ثقة المواطن تبدأ من بناء مؤسسات قادرة على أداء وظائفها بكفاءة، ومن إيجاد منظومة حكم تمتلك القدرة على الاستجابة لتحديات الواقع، وتضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة. فالدول تُبنى بالمؤسسات، وتستقر بسيادة القانون، وتتعافى عندما يصبح الإصلاح مشروعًا مستمرًا، لا مجرد استجابة مؤقتة لضغط الأزمات.
إن الأزمات لا تُحل بتغيير الوجوه، وإنما بمعالجة المنظومة التي أنتجتها. أما ما دون ذلك، فيبقى أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى إنهائها، وإلى تأجيل المشكلة لا إلى حلها.