تفرض التطورات العسكرية المتسارعة في جبهتي الصبيحة وكهبوب نفسها اليوم باعتبارهما من أكثر ساحات المواجهة مع الحوثيين حساسية وخطورة. فالمعركة هناك لا تدور حول جبل أو موقع عسكري معزول، بل على بوابة استراتيجية ترتبط بباب المندب والساحل الغربي، وتمتد تداعياتها مباشرة إلى أمن لحج وعدن والجنوب عمومًا.
وفي قلب هذه المواجهة يقف رجال وأبناء الصبيحة الشجعان، إلى جانب قوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن في المواجهة، مقدمين أرواحهم رخيصة دفاعًا عن الأرض والعِرض، وتأمينًا لمنطقة شديدة الأهمية في معادلة الأمن العسكري والإقليمي.
غير أن حجم هذه التضحيات يفرض سؤالاً آخر لا يجوز تجاهله: هل يحصل المقاتلون في هذه الجبهة على الإسناد العسكري واللوجستي والطبي الذي يتناسب مع خطورة المهمة وحجم التحديات التي يواجهونها؟
فما تم تداوله مؤخرا عبر مواقع التواصل من شكاوى بشأن نقص بعض الاحتياجات والإمدادات، والإهمال في رعاية الجرحى والمقاتلين، يستوجب التحقق العاجل والشفاف. وإذا ثبتت صحة هذه الوقائع، فإن معالجتها لا تحتمل الوعود أو التبريرات، بل تتطلب تحركاً فورياً ومساءلة واضحة عن أي تقصير.
فحياة المقاتلين ليست مجالاً للمساومة، والجبهات لا تُدار بالشعارات ولا بالخطابات الجوفاء.
لكن القضية قد تتجاوز مسألة الإمداد إلى سؤال سياسي وعسكري أكبر: من يتحمل اليوم العبء الفعلي لمواجهة الحوثي؟ وإلى متى سيظل الجنوب يدفع من دماء أبنائه وشبابه كلفة حرب تتسع جبهاتها تدريجيًا على تخومه، فيما تتراجع فاعلية جبهات أخرى، وتستمر قيادات الشرعية بأريحية تستنزف معاركها في القنوات الفضائية ومنصات التواصل وصالات الفنادق بعيدًا عن الميدان؟
هذه أسئلة ينبغي أن توضع بوضوح أمام الحكومة والقيادات العسكرية والتحالف والقوى المعنية بإدارة الحرب.
فالصبيحة لا يمكن أن تُترك وحدها تدفع ثمن موقعها الجغرافي وتضحيات أبنائها، كما لا يجوز أن يتحول الجنوب إلى خط مواجهة مفتوح يتحمل بمفرده كلفة حرب يُفترض أنها مسؤولية منظومة سياسية وعسكرية متكاملة.
المطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات والخطابات الجوفاء، بل تعزيز الجبهات، وتأمين احتياجاتها من السلاح والذخائر والإمداد والرعاية الطبية، ورفع مستوى التنسيق بين القوات، ووضع خطة عسكرية واضحة تمنع استنزاف المقاتلين والمجتمعات المحلية، وتتعامل مع الجبهات بما يتناسب مع أهميتها الاستراتيجية.
فالصبيحة وكهبوب ليستا هامشًا في خريطة الحرب، بل بوابة للجنوب وامتدادًا لأمن باب المندب والساحل الغربي.
ومن يستهين اليوم بخطورة ما يجري هناك، سيكتشف غدًا أن ثمن الإهمال لن يتوقف عند حدود الصبيحة وكهبوب؛ فحماية الجنوب وباب المندب تبدأ من حماية من يقفون اليوم على خطوط النار ومواقع الشرف.