أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 04:00 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​متى ستنتهي الحرب؟

    حمير سعد الجعفري




     منذ عام 2011، واليمن يعيش دوامة من الأزمات السياسية والانقسامات والصراعات، يخرج من أزمة ليدخل في أخرى، ومن حرب إلى حرب، حتى أصبح الوطن ممزقًا، والشعب مشتتًا، والمدنيون يدفعون الثمن الأكبر لصراعات لم يكونوا طرفًا في صناعتها، لكنهم كانوا أول ضحاياها.

    أحد عشر عامًا من الحرب والقتل والتشريد والدمار، ولا تزال الدماء اليمنية تسيل، وكأن كل هذه السنوات لم تكن كافية لنتعلم أن الحرب لا تبني دولة، وأن البندقية لا تصنع وطنًا، وأن الانتصارات العسكرية مهما بلغت لا يمكن أن تكون بديلًا عن السلام والاستقرار.

    إلى متى سيظل اليمنيون يدفعون ثمن الخلافات السياسية؟ وإلى متى سنظل نبحث عن انتصار فوق أنقاض وطننا وجثث أبنائنا؟
    إن خريطة الطريق نحو السلام ليست مستحيلة، ولا تحتاج إلى اختراع حلول من العدم. فقد جلس اليمنيون سابقًا على طاولة الحوار الوطني، وناقشوا مستقبل دولتهم، وخرجوا بمخرجات يمكن العودة إليها والبناء عليها، ومعالجة ما بقي من خلافات حولها من خلال حوار وطني شامل لا يستثني أحدًا.

    لقد أثبتت السنوات الماضية أن إقصاء أي طرف لا ينهي الصراع، بل يؤسس لصراع جديد. فلا يمكن لطرف أن يلغي الآخر، ولا يمكن لليمن أن يستقر ما لم يتفق أبناؤه على دولة تحكمها المؤسسات، ودستور توافقي يكون مرجعية للجميع، وقانون يسري على الحاكم والمحكوم دون تمييز.
    نحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الانتصار.
    فالانتصار الحقيقي ليس في عدد المدن التي تسقط، ولا في مساحة الأرض التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك، بل في عدد الأرواح التي ننقذها، والدماء التي نوقف نزيفها، والأسر التي نعيد جمع شملها، والأطفال الذين نعيدهم إلى مدارسهم بدلًا من ساحات النزوح والحرب.

    إن إيقاف الحرب ليس استسلامًا، والجلوس إلى طاولة الحوار ليس ضعفًا، والتنازل من أجل الوطن ليس هزيمة. بل إن أعظم انتصار يمكن أن يحققه اليمنيون اليوم هو أن تتوقف البنادق، وأن تعود الدولة، وأن تستيقظ الإنسانية التي أنهكتها سنوات طويلة من الصراع.

    ومن المؤسف أن هناك من لا يزال يروّج لاستمرار الحرب، وكأن دماء اليمنيين أصبحت وسيلة لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية. فبينما يخسر المواطن منزله وأمنه ومستقبله، يجد بعض المستفيدين من اقتصاد الحرب في استمرار الصراع فرصة للحفاظ على مصالحهم ونفوذهم.

    ولا يمكننا أن نحمّل الخارج وحده مسؤولية ما وصلنا إليه. نعم، للتدخلات الخارجية دور في تعقيد الأزمة اليمنية، لكن علينا أيضًا أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائنا الداخلية. فقد سمحت خلافاتنا وانقساماتنا بتحويل اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

    علينا أن نتعلم كيف نتعامل مع الخارج بما يخدم مصالح اليمن وشعبه أولًا، لا أن نجعل مصالح الخارج هي التي تحدد مستقبل وطننا.

    نحن يمنيون، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. قد نختلف سياسيًا وفكريًا، وقد تتباين رؤانا حول شكل الدولة ومستقبلها، لكن هذه الاختلافات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للقتل والكراهية والتمزق.

    لقد أنهكت الحرب اليمن بأكمله، وأصبح الوجع حاضرًا في كل بيت، والحزن يسكن قلوب الملايين. فكم من أم فقدت ابنها؟ وكم من طفل حُرم من أبيه؟ وكم من أسرة شُردت من منزلها؟ وكم من شاب ضاع مستقبله في حرب لا يعرف متى تنتهي؟
    أما آن لهذا الألم أن يتوقف؟ أما آن لليمنيين أن يعيشوا كبقية شعوب العالم في أمن وكرامة وسلام؟
    إن السلام الذي ننشده ليس مجرد وقف لإطلاق النار، بل سلام عادل ومشرف لجميع الأطراف، يقوم على الشراكة الوطنية، والعدالة، والمواطنة المتساوية، واحترام الحقوق والحريات، وبناء مؤسسات الدولة، وإنهاء مظاهر السلاح خارج سلطتها، وضمان عدم العودة إلى دوامة العنف.

    ولن يتحقق ذلك دون إرادة سياسية حقيقية، وتنازلات متبادلة، وشجاعة في تقديم مصلحة الوطن على مصالح الأفراد والجماعات.

    كفى ألمًا، كفى وجعًا، كفى دماءً وتشريدًا. لقد دفع اليمنيون من أعمارهم وأحلامهم ومستقبل أبنائهم ما يكفي.

    إن اليمن لن ينتصر بفتح جبهة جديدة، بل بإغلاق آخر جبهة. ولن ينتصر بإسكات صوت الخصم، بل بإسكات صوت البنادق. ولن ينتصر حين يهزم يمني أخاه اليمني، بل حين ينتصر الجميع للحياة والوطن والإنسان.

    فمتى ستنتهي الحرب؟
    ستنتهي حين ندرك أن اليمن أكبر من جميع الأطراف، وأن دم الإنسان اليمني أغلى من كل المكاسب السياسية، وأن الوطن لا يمكن أن يُبنى على أنقاض أبنائه.


    السلام ليس هزيمة، وإيقاف الحرب ليس استسلامًا.

    السلام هو الانتصار الحقيقي لليمن واليمنيين.


    حمير سعد الجعفري
    رئيس الجالية اليمنية في مقاطعة برتش كولمبيا - كندا

المزيد من مقالات (حمير سعد الجعفري)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال