الثلاثاء, 03 نوفمبر 2026
114
هادئة، تفوح منها رائحة البحر، وتشم من نوافذها عبق البخور والفل، وتعج فيها الحركة منذ الصباح الباكر وحتى آخر ساعات الليل... هي عدن.
فجأة، تمطر السماء قذائف، فيخيم على المدينة سكونٌ مشوب بالوجوم وكأنها في موعد غدرٍ مع الرعب والضجيج؛ ترتعش الأرض بمن عليها، ويتمزق ثوب عدن الجميل على يد مغتصبٍ أمّيٍّ لا يدرك ولا يعي ما هي مدينة عدن.
وها هي اليوم تُفاجَأ بأصداء قصفٍ صاروخيٍ يزلزل أركانها، ويرعب أهلها، ويهز سكينتها في ليلٍ كان ينبغي أن يكون ملاذاً للهدوء والسكينة. فهل نحن بحقٍ أمام جولة أخرى من هذه الحرب العبثية؟ وأيُّ عبثٍ هذا الذي يتربص بالمدينة ألا يحلو لهؤلاء أن يروا عدن في هدوئها الرومانسي، وفي شتائها الأرجواني الساحر؟ ألا يطيب لهم أن يروا ليلها كإمبراطورة تداعب أمواج الشاطئ لتكشف عن ساقها بفتنةٍ وتألق؟.
وهناك، يربض جبلها الأشمّ كرجلٍ صلبٍ على أبواب المدينة، يحوطها بحنانه، ويدافع عن حياضها، متلقياً في صدره ضربات الصواريخ، ليبقى الدرع الواقي والحارس الأمين.
فيكفي أطفالها أنهم لا يهابون الصواريخ؛ فهم لا يدركون خطورتها حين تهمي، بل ما إن تسقط ويسمع دويها حتى يهرعون لمعرفة مكان سقوطها وكأنهم يتابعون ألعاباً نارية! أيُّ أطفالٍ هؤلاء؟!.
وحدهن الأمهات يتهافتن عبر الهواتف ليطمئنبن على بقاء أولادهن على قيد الحياة أم استشهدوا، ليودعهن بدموع الصبر إن ارتقوا. وفي المقابل، يسارع الشباب زرافاتٍ للالتحاق بالجبهات وكأنهم ذاهبون إلى حفل زفاف. ما أعظم هذه المدينة الولّادة بالرجال المقاتلين!.
فليعلم العابثون أن عدن لن تنحني ولن تركع، ما دام في أزقتها طفلٌ يركض بأمله، وامرأةٌ تدندن بلحن الحياة، ورجلٌ يبني ويعمر بتحدٍ وإصرار. ستظل عدن كما كانت دوماً: قبلةً للسائحين، وملهمةً للعاشقين، وسوقاً وبازاراً للتجار، ومحطة أمانٍ واطمئنان لكل قاصديها، وستظل عدن عصيةً على كل معتدٍ ومغتصب.