الأربعاء, 04 نوفمبر 2026
182
ليست الأرض مجرد مساحة تحددها الخرائط، ولا حدودا ترسمها الاتفاقيات ولا رقعة جغرافية تتنازع عليها القوى السياسية الأرض ذاكرة وهوية وتاريخ وهي الحكاية التي تحمل في تفاصيلها وجوه الأجيال وتضحيات الشعوب وأحلامها المؤجلة وحين تتكلم الأرض، فإنها لا تستعير صوتها من أحد بل تستعيد ما حاولت السياسة طويلا تجاهله.
في الجنوب لم تكن الأرض يوما مجرد عنوان جغرافي إنها حكاية شعب له ذاكرته السياسية والوطنية وله تجربته التاريخية وخصوصيته وهويته التي تشكلت عبر عقود طويلة ومن هنا فإن القضية الجنوبية ليست طارئا سياسيا ظهر مع تعقيدات الحرب، ولا مطلبا عابرا يمكن احتواؤه بتفاهمات مؤقتة بل قضية لها جذورها وتراكماتها وامتداداتها في وجدان الناس.
لقد أثبتت التجربة أن تجاهل قضايا الشعوب لا يلغيها وأن محاولة تجاوز الذاكرة لا تعني اختفاءها فقد تتغير الحكومات وتتبدل التحالفات وتتعدد مشاريع التسوية لكن ما يستقر في وجدان الشعوب لا تستطيع الحسابات السياسية محوه بسهولة فالتاريخ لا يُكتب فقط في مكاتب السياسيين بل تكتبه أيضا ذاكرة الناس وتجاربهم ومواقفهم وتضحياتهم.
ومن أكثر الأخطاء التي ارتكبتها بعض المقاربات السياسية أنها تعاملت مع الجنوب باعتباره تفصيل يمكن تأجيله إلى مرحلة لاحقة أو قضية يمكن إدراجها ضمن تسوية أوسع دون معالجة جوهرها والحقيقة أن أي تسوية لا تعترف بالقضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وتاريخية قائمة بذاتها ولا تضع إرادة الجنوبيين في صلب معادلتها ستظل تسوية ناقصة مهما حظيت من دعم أو ضمانات.
فالسلام الذي يتجاوز حقوق الشعوب لا يصنع استقرار دائم والاتفاقيات التي لا تستند إلى إرادة أصحاب الأرض قد تمنح السياسة وقت إضافي لكنها لا تمنح المستقبل ضماناته.
والجنوب بما يحمله من تاريخ وتضحيات وتطلعات ليس مطالب بالتخلي عن ذاكرته حتى يكون مقبول في حسابات الآخرين وليس مطلوب منه أن يختصر قضيته في ترتيبات سياسية لا تعبر عن تطلعات أبنائه، إن حق الشعوب في تقرير مستقبلها السياسي يجب أن يكون أساس لأي حوار جاد بعيدًا عن الإكراه والوصاية وفرض الوقائع بالقوة.
وفي هذا السياق تبرز حضرموت بوصفها جزء أصيل من المشهد الجنوبي بتاريخها ومكانتها وخصوصيتها الاجتماعية والسياسية ولا يمكن التعامل مع مستقبلها بمعزل عن إرادة أبنائها أو تحويل ثرواتها وموقعها إلى موضوع للمساومات بين القوى المتنافسة، فحضرموت تستحق إدارة عادلة وتمثيل حقيقي وشراكة تحفظ حقوق أهلها وتصون مكانتها داخل أي مشروع سياسي جنوبي.
إن الجنوب الذي نريده ليس مجرد استعادة لماضٍ بل مشروع مستقبل يقوم على العدالة والشراكة وبناء المؤسسات واحترام التنوع الداخلي. فالقضية الجنوبية لا تكتمل بالشعارات وإنما بقدرة أبنائها على تحويل تطلعاتهم إلى مشروع سياسي مسؤول يحمي حقوق الناس ويؤسس لدولة قادرة على احتضان الجميع.
وفي النهاية قد تستطيع السياسة أن تؤجل الأسئلة، وقد تستطيع المصالح أن تفرض الصمت لبعض الوقت، لكنها لن تستطيع إلغاء ذاكرة شعب يعرف أرضه وتاريخه، فالأوطان لا تنسى أبنائها والشعوب لا تفقد حقها لأن الآخرين قرروا تجاهله.
وحين تتكلم الأرض فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا تقول بل من يملك الشجاعة السياسية والأخلاقية للإصغاء إليها؟.
فالجنوب ليس ذاكرة تروى فحسب بل إرادة شعب يتطلع إلى مستقبل يختاره بنفسه.