> «الأيام» عن «الأهرام»
أثار سقوط العاصمة اليمنية صنعاء في يد جماعة “أنصار الله” (الحوثيين)، المتحالفة مذهبيا مع إيران، وزحفهم نحو المنطقة الساحلية المطلة على جنوب البحر الأحمر بوجه عام وباب المندب على وجه الخصوص، العديد من الأسئلة المتعلقة بالدور الإيراني في المنطقة بوجه عام، وفي اليمن بوجه خاص، وماهية الإستراتيجية الإيرانية الإقليمية تجاه دول المشرق العربي في منطقة الشام، ودول الخليج العربية، بعد تلك الخطوة ذات الأثر الإستراتيجي الخطير على المنطقة والعالم.
فبعد سقوط صنعاء في يد (الحوثيين)، زحفت قواتهم على مدينة الحديدة، غرب البلاد. وتعد الحديدة الشريان الحيوي للعاصمة، والميناء الذي يمد نحو٧٠% من سكان اليمن باحتياجاتهم التموينية. وعلى الرغم من أن الحديدة ذات غالبية سنية، ولا تعتبر بيئة حاضنة للحوثيين، فإن السيطرة علىها تعد هدفاً استراتيجيا للجماعة، ويضمن لها منفذا على البحر، حيث يعتبر الإقليم ذا أهمية إستراتيجية لعمليات تهريب الأسلحة، فضلاً عن التحكم في الميناء الأهم للعاصمة صنعاء. كما تعد الحديدة معبرًا مهمًّا على طريق الوصول إلى مضيق باب المندب ذي الأهمية الدولية، ويمتلك اليمن أفضلية نسبية في التحكم فيه.
وليس بخافٍ أن استيلاء الحوثيين على السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر، وصولا إلى النقطة الأهم، وهو مضيق باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، سيوفر لهم تسهيلات في الحصول على دعم سخي من إيران بلا عناء أو مشكلات أمنية.
ولم يُخفِ البعض في إيران سعادته بما تحقق في اليمن، ونقلت وسائل إعلام يمنية ما أشار إليه محللون إيرانيون من أن “مضيقي هرمز وباب المندب، أصبحا تحت النفوذ الإيراني، ويضيقان الخناق على البحر الأحمر وقناة السويس”!!
وقد وضعت إيران المنطقة على قائمة أولوياتها منذ فترة بعيدة انطلاقا من حقيقة جغرافية سياسية تقول إن جميع صادرات البترول والغاز الإيرانية تقريبًا تمر عبر الخليج العربي والمحيط الهندي في طريقها إلى السوق الدولية. وكذلك، تمر جميع واردات إيران تقريبًا حول القرن الإفريقي، أو عبر المحيط الهندي في طريقها إلى موانئ إيران المطلة على الخليج. ويعد أمن المسارات البحرية في شرق إفريقيا، وخليج عدن، وبحر العرب، ومضيق هرمز ضروريا لإيران.
ويري مايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن، والمقدم ألون باز من الجيش الإسرائيلي وزميل زائر في ذات المعهد، أن إيران تسعى إلى توسيع نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه من خلال تشكيل شبكة من التحالفات مع دول تتفق معها أيديولوجيا ومذهبيا، بالإضافة للاعبين فاعلين من غير الدول, مثل “حزب الله” بلبنان وسوريا وجماعات فلسطينية مثل “الجهاد الإسلامي” و “حماس” وجماعات عراقية متعددة.
وفيما يتعلق بباب المندب، ومع تصاعد الأزمة في اليمن، عاد الحديث مجددا عن هذا المضيق الدولي المهم، وتمت الإشارة إلى أنه إذا تحكمت إيران ـ مباشرة أو عبر حلفائها ـ في هذا المضيق، فإنها ستتمكن من نيل وضع المشارك المهيمن على السياسات التجارية والعسكرية في الإقليم، وما وراءه أيضا. فباب المندب يمثل بوابة البحر الأحمر، وممرا ملاحيا دوليا أساسيا للتجارة العالمية والبترول. ويجعل وجوده بين خليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس، الممر المائي الأساسي بين الخليج العربي، وخليج عمان من ناحية، والبحر المتوسط، حيث موانئ دول أوروبا. كما يعد بوابة صادرات دول الخليج إلى الغرب. والمضيق وقناة السويس يختصران طريق التجارة بين الغرب والشرق، ويمر بهما الجانب الأكبر من التجارة بين أوروبا وآسيا. وقد أكدت الأحداث الأخيرة في اليمن عدة نقاط مهمة تتعلق باستراتيجية إيران وتحركاتها في المنطقة وجاءت كما يلي:
*السعي الإيراني الحثيث نحو استخدام المضايق الإستراتيجية في المنطقة (هرمز وخليج عدن، ومضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر) كأدوات للضغط الاستراتيجي والاقتصادي على المجتمع الدولي بوجه عام من ناحية، وتأمين خطوط النقل والمواصلات الخاصة بإيران وحلفائها في المنطقة من ناحية أخرى.
*إن وصول إيران عسكريا إلى البحر الأحمر تم بالفعل منذ سنوات عديدة، وأن تحول إيران لاستخدام أدواتها العسكرية والدعائية في المنطقة يأتي على أسس تم التأسيس لها على مدي سنوات سابقة.
* لا ينفي العداء الإيراني الإسرائيلي “المعلن” نوايا “سرية” مشتركة للطرفين تستهدف تقسيم السيطرة الفعلىة على المنطقة بوجه عام وعلى البحر الأحمر، ومضيق باب المندب على وجه الخصوص. وما النشاط الإيراني والإسرائيلي عند إريتريا سوي دليل على ذلك. وقد سبق لإيران وأمريكا أن خاضتا تجربة المفاوضات السرية للتقارب في أثناء أزمة البرنامج النووي الإيراني. كما سبق وأن تعاونت إيران وأمريكا وإسرائيل معا ضد العراق (فضيحة إيران كونترا) عام ١٩٨٥.
* قيام إيران بالتحرك في الشرق العربي متخذة شكل “كماشة” يتمثل طرف فكها الشمالي الضاغط في حماس بقطاع غزة وحزب الله في لبنان، والنظامين السوري في دمشق والعراقي في بغداد، بينما يتمثل طرف فكها الجنوبي الضاغط حاليا، بعد تفعيله أخيرا، في جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن، وبين الطرفين الضاغطين توجد تحركات وتحالفات إيرانية إقليمية في دول شرق إفريقيا، بالإضافة لتأييد إيران لبعض الجماعات التي ترفع رايات التمرد على النظم الحاكمة في دول الخليج العربية. وهكذا برز البعد الإقليمي للدور الإيراني في المنطقة، الذي يهدد - في حالة تمسك طهران بتنفيذ مخططاتها - بتأزم العلاقات على المستوي الإقليمي والدولي، كما يمثل دافعا قويا جديدا لقيام تحالف إقليمي جديد يضم الدول الرافضة لعمليات التقسيم المذهبي والطائفي لمنطقة الشرق العربي على وجه الخصوص، وللشرق الأوسط بوجه عام.
**ماذا سيحدث لو سيطرت جماعة الحوثيين على مضيق باب المندب الذي يعد البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، إلى جانب كونه منفذا رئيسيا يربط الشرق بالغرب؟
يجيب على ذلك التساؤل اللواء نصر سالم أستاذ العلوم الاستراتيجة ورئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالقوات المسلحة المصرية، فيقول: لو حدث ذلك - لا قدر الله - سوف يتعرض الأمن القومي العربي كله وليس أمن مصر فقط للخطر، لأن من المعروف أن إيران والشيعة سيكون لهم تأثير سلبيا على أمن اليمن وكل الدول العربية التي تطل على البحر الأحمر، وبالتالي سيكون لها تأثير على قناة السويس، وإذا حدث ذلك سيؤثر على أمننا القومي، وبالتالي لابد أن نضع ما تفعله هذه الجماعة في الحسبان.
وأكد نصر سالم على ضرورة التنسيق مع الحكومة اليمنية أولاً، لأن الشعب اليمني يحمل للشعب المصري كل القيم والمعاني الطيبة والعديد من الذكريات ، ومما يدل على ذلك النصب التذكاري للجندي المجهول في اليمن أفضل من النصب الموجود في أي دولة أخرى. ومن هنا نجد أن أي تصرف لا يتمشى مع إرادة الشعب اليمني ويمس الأمن القومي المصري يستدعي سرعة التحرك بالتنسيق مع كل دول الجزيرة العربية لأن جماعة الحوثيين إذا سيطرت على المضيق سوف تؤثر على أمن الخليج و أمن مصر.
وطالب سالم بالحسم الفوري إذا حاولت إيران أن تؤثر على مصلحة مصر، وأن تنهض دول الخليج بمسئولياتها تجاه باب المندب، لأنها تعلم جيدا أنها شريكة لنا في الأمن القومي، فنحن لا نطلب تدخلا عسكريا بل نطلب موقفا سياسيا دعما لأي تصرف مصري تجاه إيران إذا حاولت الضرر بالمصالح المصرية.
وأكد سالم أن تأثير إيران على المنطقة قد يكون محدودا على بعض السفن البحرية، لأننا لا ننسى أن قناة السويس ممر ملاحي دولي لكل الدول، كما أن هذه الدول لن توافق على أي ضرر بمصلحة مصر، لأنها مستفيدة من الممر الدولي، ولكن الخطر الحقيقي هو انتشار المد الشيعي في المنطقة بأكملها خاصة وأنه بدأ بالعراق ومن المتوقع أن يمتد إلى اليمن، ولو حدث سوف يؤدي إلى تقسيم اليمن التي فشلت في تقسيمها أي دولة منذ عام 1990 ، لأن إيران تسعى إلى تفتيت الدول العربية وضرب الإسلام في مقتل. وأضاف أنه يجب علينا أن نتوقع أن وجود إيران في باب المندب سيعطيها مميزات معينة لدى مصر مثل الضغط السياسي أو الاستراتيجي لكي نتساهل مع إيران في قضايا أخرى، وفي المقابل مصر تغض البصر عما تفعله إيران في جزر الإمارات بالإضافة إلى مطامعها في باب المندب.
وأشار سالم إلى أن ما يطمئن مصر الآن أن تصرفات الدول العظمى ليس من السهل أن تأخذ قرارا منفصلا، ولكن القرارات محكومة بالقوى العالمية وبمصالحها في المنطقة، وبالتالي ستدافع عن باب المندب من أجل الدفاع عن مصالحها أولاً.
ويرى اللواء يسري قنديل الخبير الاستراتيجي وقائد القوات البحرية الأسبق أن جماعة الحوثيين بدأت تتكشف أمام العالم ويتضح معها أبعاد الدعم الايراني لها، من خلال سعي الحوثي الحالي للسيطرة على العديد من المناطق اليمنية الحيوية والتي تجاوزت العاصمة صنعاء إلى مناطق نفوذ محلية وإقليمية ودولية وفي مقدمتها مضيق باب المندب، الذي يعد البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، بغرض التحكم بهذا المضيق الإستراتيجي، الذي يعد المنفذ البحري الرئيسي بين الشرق والغرب. وأشار إلى إن منطقة اليمن مهمة جدا جغرافيا وسياسيا بالنسبة لمصر أكثر بكثير مما يحدث في سوريا والعراق، وأن خطر الحوثيين في اليمن يهدد مصر بشكل مباشر أكبر مما تسببه داعش في ترتيب التهديدات المباشرة للأمن القومي المصري.
ونوه قنديل إلى أن اليمن تتحكم في خليج عدن وفي مضيق باب المندب وأي تهديد هناك هو تهديد مباشر لسلامة الملاحة في قناة السويس. ولا يشمل هذا التهديد ما يحدث في اليمن فقط وإنما أعمال القرصنة على الشواطىء الصومالية مما يستوجب أن تكون ضمن أولويات التخطيط الاستراتيجي لدى سلاح البحرية المصري. وفي ضوء ذلك طالب قنديل بضرورة تحرك كل الدول العربية من أجل التصدي للحوثيين لأن خليج باب المندب هو المتحكم في حرية وسلامة الملاحه في البحر الأحمر، وهو المنفذ الرئيسي لمرور البترول لدول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة، وقال :نحن نعتبر أن أمن الخليج العربي وخليج عدن والبحر الأحمر والبحر المتوسط وحدة واحدة أي لو وقع أي شيء في جنوب البحر الأحمر فإنه يؤثر على الملاحة في قناة السويس، وبالتالي فإن وجود الحوثيين في هذه المنطقة سيؤثر على سيطرة الدول العربية على البحار.
وأوضح قنديل أنه لو سيطرت جماعة مناصرة لإيران على اليمن وأحكمت جماعة الحوثيين سيطرتها على مضيق باب المندب يترتب على ذلك تحكم إيران في المضايق الأساسية في المياه الإقليمية مما يؤثر على مستقبل نقل الطاقة وتصبح الأمور في ورطة عالمية كبرى قد تشعل المنطقة برمتها، وهذا الإحكام على المضايق من هرمز إلى باب المندب سيؤدي بالضرورة إلى مواجهة بحرية بين إيران والأسطول الأمريكي المتمركز في البحرين في منطقة الخليج . أما إذا حدث ذلك عند باب المندب فسيؤدي إلى مواجهة بين اسرائيل وإيران وبين مصر وإيران. وأعاد قنديل للأذهان كيف كان إغلاق باب المندب من قبل البحرية المصرية أيام عبدالناصر سببا أساسيا في إشعال الحرب. من هنا ندرك أن ما يحدث في اليمن هو الخطر المباشر بالنسبة لأولويات الأمن القومي المصري.وأضاف : نحن كعرب دائماً نصر على أن البحر الأحمر سيبقي دائماً بحيرة عربية، ولكن بدخول إيران على الخط ووجود الأساطيل الغربية بدعوى ردع إيران ، وحالة الوهن البحري العربي تجعل فكرة أن البحر الأحمر بحيرة عربية محل شك كبير .وأشار قنديل إلى أنه يجب أن تساند الدول العربية اليمن في حل المشكلة عن طريق التفاوض مع إيران لكي توقف دعمها لحركة عبدالملك الحوثي قبل فوات الآوان، وأن تتضافر كل الدول مع بعضها حتى لا نترك اليمن فريسة لهذه الجماعة التي تعد تهديدا للأمن القومي العربي الذي سيؤثر أيضا على أمن مصر.
فبعد سقوط صنعاء في يد (الحوثيين)، زحفت قواتهم على مدينة الحديدة، غرب البلاد. وتعد الحديدة الشريان الحيوي للعاصمة، والميناء الذي يمد نحو٧٠% من سكان اليمن باحتياجاتهم التموينية. وعلى الرغم من أن الحديدة ذات غالبية سنية، ولا تعتبر بيئة حاضنة للحوثيين، فإن السيطرة علىها تعد هدفاً استراتيجيا للجماعة، ويضمن لها منفذا على البحر، حيث يعتبر الإقليم ذا أهمية إستراتيجية لعمليات تهريب الأسلحة، فضلاً عن التحكم في الميناء الأهم للعاصمة صنعاء. كما تعد الحديدة معبرًا مهمًّا على طريق الوصول إلى مضيق باب المندب ذي الأهمية الدولية، ويمتلك اليمن أفضلية نسبية في التحكم فيه.
وليس بخافٍ أن استيلاء الحوثيين على السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر، وصولا إلى النقطة الأهم، وهو مضيق باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، سيوفر لهم تسهيلات في الحصول على دعم سخي من إيران بلا عناء أو مشكلات أمنية.
ولم يُخفِ البعض في إيران سعادته بما تحقق في اليمن، ونقلت وسائل إعلام يمنية ما أشار إليه محللون إيرانيون من أن “مضيقي هرمز وباب المندب، أصبحا تحت النفوذ الإيراني، ويضيقان الخناق على البحر الأحمر وقناة السويس”!!
وقد وضعت إيران المنطقة على قائمة أولوياتها منذ فترة بعيدة انطلاقا من حقيقة جغرافية سياسية تقول إن جميع صادرات البترول والغاز الإيرانية تقريبًا تمر عبر الخليج العربي والمحيط الهندي في طريقها إلى السوق الدولية. وكذلك، تمر جميع واردات إيران تقريبًا حول القرن الإفريقي، أو عبر المحيط الهندي في طريقها إلى موانئ إيران المطلة على الخليج. ويعد أمن المسارات البحرية في شرق إفريقيا، وخليج عدن، وبحر العرب، ومضيق هرمز ضروريا لإيران.
ويري مايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن، والمقدم ألون باز من الجيش الإسرائيلي وزميل زائر في ذات المعهد، أن إيران تسعى إلى توسيع نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه من خلال تشكيل شبكة من التحالفات مع دول تتفق معها أيديولوجيا ومذهبيا، بالإضافة للاعبين فاعلين من غير الدول, مثل “حزب الله” بلبنان وسوريا وجماعات فلسطينية مثل “الجهاد الإسلامي” و “حماس” وجماعات عراقية متعددة.
وفيما يتعلق بباب المندب، ومع تصاعد الأزمة في اليمن، عاد الحديث مجددا عن هذا المضيق الدولي المهم، وتمت الإشارة إلى أنه إذا تحكمت إيران ـ مباشرة أو عبر حلفائها ـ في هذا المضيق، فإنها ستتمكن من نيل وضع المشارك المهيمن على السياسات التجارية والعسكرية في الإقليم، وما وراءه أيضا. فباب المندب يمثل بوابة البحر الأحمر، وممرا ملاحيا دوليا أساسيا للتجارة العالمية والبترول. ويجعل وجوده بين خليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس، الممر المائي الأساسي بين الخليج العربي، وخليج عمان من ناحية، والبحر المتوسط، حيث موانئ دول أوروبا. كما يعد بوابة صادرات دول الخليج إلى الغرب. والمضيق وقناة السويس يختصران طريق التجارة بين الغرب والشرق، ويمر بهما الجانب الأكبر من التجارة بين أوروبا وآسيا. وقد أكدت الأحداث الأخيرة في اليمن عدة نقاط مهمة تتعلق باستراتيجية إيران وتحركاتها في المنطقة وجاءت كما يلي:
*السعي الإيراني الحثيث نحو استخدام المضايق الإستراتيجية في المنطقة (هرمز وخليج عدن، ومضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر) كأدوات للضغط الاستراتيجي والاقتصادي على المجتمع الدولي بوجه عام من ناحية، وتأمين خطوط النقل والمواصلات الخاصة بإيران وحلفائها في المنطقة من ناحية أخرى.
*إن وصول إيران عسكريا إلى البحر الأحمر تم بالفعل منذ سنوات عديدة، وأن تحول إيران لاستخدام أدواتها العسكرية والدعائية في المنطقة يأتي على أسس تم التأسيس لها على مدي سنوات سابقة.
* لا ينفي العداء الإيراني الإسرائيلي “المعلن” نوايا “سرية” مشتركة للطرفين تستهدف تقسيم السيطرة الفعلىة على المنطقة بوجه عام وعلى البحر الأحمر، ومضيق باب المندب على وجه الخصوص. وما النشاط الإيراني والإسرائيلي عند إريتريا سوي دليل على ذلك. وقد سبق لإيران وأمريكا أن خاضتا تجربة المفاوضات السرية للتقارب في أثناء أزمة البرنامج النووي الإيراني. كما سبق وأن تعاونت إيران وأمريكا وإسرائيل معا ضد العراق (فضيحة إيران كونترا) عام ١٩٨٥.
* قيام إيران بالتحرك في الشرق العربي متخذة شكل “كماشة” يتمثل طرف فكها الشمالي الضاغط في حماس بقطاع غزة وحزب الله في لبنان، والنظامين السوري في دمشق والعراقي في بغداد، بينما يتمثل طرف فكها الجنوبي الضاغط حاليا، بعد تفعيله أخيرا، في جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن، وبين الطرفين الضاغطين توجد تحركات وتحالفات إيرانية إقليمية في دول شرق إفريقيا، بالإضافة لتأييد إيران لبعض الجماعات التي ترفع رايات التمرد على النظم الحاكمة في دول الخليج العربية. وهكذا برز البعد الإقليمي للدور الإيراني في المنطقة، الذي يهدد - في حالة تمسك طهران بتنفيذ مخططاتها - بتأزم العلاقات على المستوي الإقليمي والدولي، كما يمثل دافعا قويا جديدا لقيام تحالف إقليمي جديد يضم الدول الرافضة لعمليات التقسيم المذهبي والطائفي لمنطقة الشرق العربي على وجه الخصوص، وللشرق الأوسط بوجه عام.
**ماذا سيحدث لو سيطرت جماعة الحوثيين على مضيق باب المندب الذي يعد البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، إلى جانب كونه منفذا رئيسيا يربط الشرق بالغرب؟
يجيب على ذلك التساؤل اللواء نصر سالم أستاذ العلوم الاستراتيجة ورئيس جهاز الاستطلاع الأسبق بالقوات المسلحة المصرية، فيقول: لو حدث ذلك - لا قدر الله - سوف يتعرض الأمن القومي العربي كله وليس أمن مصر فقط للخطر، لأن من المعروف أن إيران والشيعة سيكون لهم تأثير سلبيا على أمن اليمن وكل الدول العربية التي تطل على البحر الأحمر، وبالتالي سيكون لها تأثير على قناة السويس، وإذا حدث ذلك سيؤثر على أمننا القومي، وبالتالي لابد أن نضع ما تفعله هذه الجماعة في الحسبان.
وأكد نصر سالم على ضرورة التنسيق مع الحكومة اليمنية أولاً، لأن الشعب اليمني يحمل للشعب المصري كل القيم والمعاني الطيبة والعديد من الذكريات ، ومما يدل على ذلك النصب التذكاري للجندي المجهول في اليمن أفضل من النصب الموجود في أي دولة أخرى. ومن هنا نجد أن أي تصرف لا يتمشى مع إرادة الشعب اليمني ويمس الأمن القومي المصري يستدعي سرعة التحرك بالتنسيق مع كل دول الجزيرة العربية لأن جماعة الحوثيين إذا سيطرت على المضيق سوف تؤثر على أمن الخليج و أمن مصر.
وطالب سالم بالحسم الفوري إذا حاولت إيران أن تؤثر على مصلحة مصر، وأن تنهض دول الخليج بمسئولياتها تجاه باب المندب، لأنها تعلم جيدا أنها شريكة لنا في الأمن القومي، فنحن لا نطلب تدخلا عسكريا بل نطلب موقفا سياسيا دعما لأي تصرف مصري تجاه إيران إذا حاولت الضرر بالمصالح المصرية.
وأكد سالم أن تأثير إيران على المنطقة قد يكون محدودا على بعض السفن البحرية، لأننا لا ننسى أن قناة السويس ممر ملاحي دولي لكل الدول، كما أن هذه الدول لن توافق على أي ضرر بمصلحة مصر، لأنها مستفيدة من الممر الدولي، ولكن الخطر الحقيقي هو انتشار المد الشيعي في المنطقة بأكملها خاصة وأنه بدأ بالعراق ومن المتوقع أن يمتد إلى اليمن، ولو حدث سوف يؤدي إلى تقسيم اليمن التي فشلت في تقسيمها أي دولة منذ عام 1990 ، لأن إيران تسعى إلى تفتيت الدول العربية وضرب الإسلام في مقتل. وأضاف أنه يجب علينا أن نتوقع أن وجود إيران في باب المندب سيعطيها مميزات معينة لدى مصر مثل الضغط السياسي أو الاستراتيجي لكي نتساهل مع إيران في قضايا أخرى، وفي المقابل مصر تغض البصر عما تفعله إيران في جزر الإمارات بالإضافة إلى مطامعها في باب المندب.
وأشار سالم إلى أن ما يطمئن مصر الآن أن تصرفات الدول العظمى ليس من السهل أن تأخذ قرارا منفصلا، ولكن القرارات محكومة بالقوى العالمية وبمصالحها في المنطقة، وبالتالي ستدافع عن باب المندب من أجل الدفاع عن مصالحها أولاً.
ويرى اللواء يسري قنديل الخبير الاستراتيجي وقائد القوات البحرية الأسبق أن جماعة الحوثيين بدأت تتكشف أمام العالم ويتضح معها أبعاد الدعم الايراني لها، من خلال سعي الحوثي الحالي للسيطرة على العديد من المناطق اليمنية الحيوية والتي تجاوزت العاصمة صنعاء إلى مناطق نفوذ محلية وإقليمية ودولية وفي مقدمتها مضيق باب المندب، الذي يعد البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، بغرض التحكم بهذا المضيق الإستراتيجي، الذي يعد المنفذ البحري الرئيسي بين الشرق والغرب. وأشار إلى إن منطقة اليمن مهمة جدا جغرافيا وسياسيا بالنسبة لمصر أكثر بكثير مما يحدث في سوريا والعراق، وأن خطر الحوثيين في اليمن يهدد مصر بشكل مباشر أكبر مما تسببه داعش في ترتيب التهديدات المباشرة للأمن القومي المصري.
ونوه قنديل إلى أن اليمن تتحكم في خليج عدن وفي مضيق باب المندب وأي تهديد هناك هو تهديد مباشر لسلامة الملاحة في قناة السويس. ولا يشمل هذا التهديد ما يحدث في اليمن فقط وإنما أعمال القرصنة على الشواطىء الصومالية مما يستوجب أن تكون ضمن أولويات التخطيط الاستراتيجي لدى سلاح البحرية المصري. وفي ضوء ذلك طالب قنديل بضرورة تحرك كل الدول العربية من أجل التصدي للحوثيين لأن خليج باب المندب هو المتحكم في حرية وسلامة الملاحه في البحر الأحمر، وهو المنفذ الرئيسي لمرور البترول لدول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة، وقال :نحن نعتبر أن أمن الخليج العربي وخليج عدن والبحر الأحمر والبحر المتوسط وحدة واحدة أي لو وقع أي شيء في جنوب البحر الأحمر فإنه يؤثر على الملاحة في قناة السويس، وبالتالي فإن وجود الحوثيين في هذه المنطقة سيؤثر على سيطرة الدول العربية على البحار.
وأوضح قنديل أنه لو سيطرت جماعة مناصرة لإيران على اليمن وأحكمت جماعة الحوثيين سيطرتها على مضيق باب المندب يترتب على ذلك تحكم إيران في المضايق الأساسية في المياه الإقليمية مما يؤثر على مستقبل نقل الطاقة وتصبح الأمور في ورطة عالمية كبرى قد تشعل المنطقة برمتها، وهذا الإحكام على المضايق من هرمز إلى باب المندب سيؤدي بالضرورة إلى مواجهة بحرية بين إيران والأسطول الأمريكي المتمركز في البحرين في منطقة الخليج . أما إذا حدث ذلك عند باب المندب فسيؤدي إلى مواجهة بين اسرائيل وإيران وبين مصر وإيران. وأعاد قنديل للأذهان كيف كان إغلاق باب المندب من قبل البحرية المصرية أيام عبدالناصر سببا أساسيا في إشعال الحرب. من هنا ندرك أن ما يحدث في اليمن هو الخطر المباشر بالنسبة لأولويات الأمن القومي المصري.وأضاف : نحن كعرب دائماً نصر على أن البحر الأحمر سيبقي دائماً بحيرة عربية، ولكن بدخول إيران على الخط ووجود الأساطيل الغربية بدعوى ردع إيران ، وحالة الوهن البحري العربي تجعل فكرة أن البحر الأحمر بحيرة عربية محل شك كبير .وأشار قنديل إلى أنه يجب أن تساند الدول العربية اليمن في حل المشكلة عن طريق التفاوض مع إيران لكي توقف دعمها لحركة عبدالملك الحوثي قبل فوات الآوان، وأن تتضافر كل الدول مع بعضها حتى لا نترك اليمن فريسة لهذه الجماعة التي تعد تهديدا للأمن القومي العربي الذي سيؤثر أيضا على أمن مصر.




















