- كواليس صفقة يونيو عندما تبتز روسيا أمريكا.. وتدفع العواصم العربية ثمن استراحة المحارب!
بخطوط واضحة لا تقبل التأويل، وضع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف حداً لأعنف حرب أعصاب شهدها عام 2026. الإعلان الرسمي عن التوصل إلى اتفاق السلام الكبير بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية إيران الإسلامية—والذي تضمن الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات—لم يأتي هذه المرة من ردهات الأمم المتحدة التقليدية، بل جاء مدوياً ومباشراً عبر صفحته الرسمية على منصة (إكس)، ليعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط بحبر الصفقات المليارية في بضع كلمات رقمية هزت عواصم القرار، تمهيداً لجمع الأطراف في منتجع بورغنستوك الجبلي في سويسرا يوم الجمعة 19 يونيو.
لكن العبور نحو منصة التوقيع الرسمية لم يكن نتاج نوايا حسنة، بل جاء إثر ليلة عاصفة تداخلت فيها الأوراق الدولية بالبلطجة المالية فما الذي حدث خلف كواليس تلك
التغريدة؟
أما الخيط الخفي الذي تجاوزته شاشات العرض السطحية، فهو دور روسيا كلاعب محرك خلف الستار.
موسكو، التي تعاني منذ أكثر من أربع سنوات من الدعم الأمريكي المفتوح لأوكرانيا، وجدت في حرب الخليج الراهنة فرصة ذهبية لا تعوض للانتقام وتصفية الحسابات. دعم روسيا المتسارع لإيران سواء بالمعلومات الاستخباراتية، أو التكنولوجيا، أو التنسيق اللوجستي كان يستهدف هدفاً استراتيجياً واحداً
نقل نموذج الحرب الاستنزافية الطويلة إلى قلب المصالح الأمريكية، وتحويل مضيق هرمز إلى أوكرانيا ثانية تخنق الاقتصاد الغربي.
دونالد ترامب—ورغم كل استعراضاته الهوليوودية المستفزة وادعاءاته الرقمية بإغراق الأساطيل التقط الإشارة من مستشاريه مبكراً الاستمرار في مياه الخليج ليس نزهة، بل هو فخ استنزاف روسي صيغ بعناية لامتصاص الهيبة العسكرية الأمريكية وإحراق أسواق الطاقة قبل انتخابات الخريف.
هنا تراجعت نرجسية ترامب وجاء قرار ووقف إطلاق النار لتفادي الكارثة الكبرى قبل الانزلاق لحرب شاملة.
لكن الصدمة الحقيقية تجلت عندما خرج نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، عبر شبكة CNN ليعري تفاصيل الصفقة، معلناً ببرود سياسي ومستفز إن دول الخليج هي من ستدفع الـ 300 مليار دولار المخصصة لإعادة إعمار إيران.
هذا التصريح يمثل ذروة البلطجة الجيوسياسية والابتزاز التجاري العاري فالعواصم الخليجية لم تكن يوماً طرفاً في هذه الحرب، بل كانت طوال السنوات الماضية في موقع الدفاع العاقل، تتحمل ضربات المسيرات والصواريخ الإيرانية الموجهة لمنشآتها الحيوية ولم ترد بالمثل حقناً للدماء ولحفظ استقرار المنطقة.
أن تأتي إدارة ترامب اليوم لتصنع سلاماً مع طهران بـشيك خليجي مفتوح، وتطالب بتمويل إعمار اقتصاد المعتدي مقابل تنازله النووي لأمريكا، هو قلب صارخ للموازين الأخلاقية والقانونية ويثبت أن واشنطن وتل أبيب تشعلان النيران، وعند الإطفاء، تلتفتان لاموال العرب لتدفيعهم الثمن تحت شعار الدفع مقابل الاستقرار.
وفي غمرة هذه المساومات سقط قطاع واسع من المحللين والنشطاء في فخ القراءات العاطفية السطحية، حيث سارعوا عبر منابرهم لتلقف مسودة البنود الـ 14 الصادرة عن الإعلام الحكومي الإيراني، مروجين لها بوصفها انتصاراً تاريخياً أذعنت له واشنطن. بيد أن هذا التهليل الإعلامي لم يكن ناتجاً عن قراءة موضوعية للحقائق، بل حركته عاطفة النكاية السياسية والكره الأعمى لغطرسة واشنطن الأمر الذي أعمى أبصارهم عن رؤية حجم التنازلات البنيوية التي بلعتها طهران لإنقاذ رأسها، وتناسوا أن هذا الاتفاق يطبخ في النهاية على حساب أمن وثروات منطقتهم.
لكن في المقابل، لم تصمد محاولات التعتيم والمناورة الأمريكية الذي فرضه البيت الأبيض لتقليل حجم خسائره، فبينما كان جيه دي فانس يقلل من شأن المذكرة أمام شبكة CNN بوصفها وثيقة عامة للغاية من صفحة ونصف لا تفرج عن دولار مجمد، فجرته بلومبرغ المفاجأة بنشرها البنود الحقيقية للنص، إذ تعهدت واشنطن بإعفاء النفط الإيراني والخدمات المصرفية المرتبطة به من العقوبات.
هذا التنازل الأمريكي الملموس لم يأتي مجاناً، بل وضع طهران في فخ الأداء المشروط لـ 60 يوماً، حيث قبضت واشنطن وقف التصعيد في الممرات المائية فوراً، مقابل فتح شريان النفط والمال لطهران التي بلعت طعم التهدئة المؤقتة وتجميد أوراقها القوية، لتظل مطاردة لسراب الـ 300 مليار الموعودة خليجياً، وتحت مقصلة تدمير اليورانيوم المخصب بإشراف الوكالة الدولية.
والأخطر في هذه الوثيقة الصفحة والنصف هو غياب اسم إسرائيل تماماً عن بنود التهدئة والتعهد بعدم التدخل، وهي ثغرة استخباراتية مررتها واشنطن بذكاء لتقييد يدها هي مؤقتاً، بينما تترك يد تل أبيب طليقة بالكامل لمواصلة الاغتيالات وتقليم أظافر الأذرع في لبنان والمنطقة دون أن يعتبر ذلك خرقاً أمريكياً للاتفاق.
في 19 يونيو، سيتجه العالم نحو منتجع بورغنستوك السويسري لمشاهدة الابتسامات الدبلوماسية. سيحتفل ترامب بصفقة القرن بلا كلفة على دافع الضرائب الأمريكي، وتستعرض طهران فك الحصار إعلامياً، بينما الحقيقة العارية خلف الكواليس هي أن روسيا نجحت في ابتزاز أمريكا، وأمريكا نجحت في بلطجتها المالية على الخليج، وطهران بلعت الطعم لإنقاذ رأسها من الاختناق الاقتصادي.
هذا الاتفاق في جوهره ليس فجراً جديداً لسلام مستدام، بل هو استراحة محارب مدفوعة الثمن من أموال عربية.