الأربعاء, 17 يونيو 2026
141
على امتداد التاريخ، كان اليمن أرض الحضارات ومهد الرجال الذين صنعوا أمجادًا خالدة ما زالت شواهدها قائمة حتى اليوم. فمن هذه الأرض انطلقت حضارات سبأ وحمير وقتبان ومعين، ومنها خرج رجال حملوا قيم العزة والكرامة والاستقلال، فكتبوا صفحات مشرقة في سجل التاريخ الإنساني.
لكن المتأمل في واقع اليمن اليوم يتساءل بحسرة وألم.. من سيبني أمجاد أهل البلد بعد أن وقع كثير منهم في قبضة الانقياد والتبعية.. ومن سيعيد لهذا الوطن مكانته وهيبته بعد أن تمزقت صفوف أبنائه وتفرقت كلمتهم بين الولاءات الضيقة والمصالح الشخصية.
إن الأمم لا تبنى بالخضوع للأهواء ولا بالارتهان للآخرين، وإنما تبنى بالإرادة الحرة والعقول الواعية والسواعد المخلصة التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. وعندما يفقد الإنسان استقلالية قراره، ويتحول إلى تابع لا يملك رؤية ولا موقفاً، فإنه يسهم من حيث يدري أو لا يدري.. في هدم ما بناه الأجداد عبر قرون طويلة من التضحية والكفاح.
لقد مر بلدنا عبر تاريخه بمحطات صعبة وأزمات قاسية، لكنه كان ينهض في كل مرة بفضل رجاله الأوفياء الذين آمنوا بوطنهم وقدرتهم على صناعة المستقبل. أما اليوم، فإن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الحرب أو الأوضاع الاقتصادية، بل في استعادة الوعي الوطني الذي يحصّن المجتمع من الانقياد الأعمى ويعيد للإنسان اليمني ثقته بنفسه ووطنه.
إن بناء الأمجاد الجديدة لن يكون مسؤولية فرد أو جماعة بعينها، بل مسؤولية جيل كامل يؤمن بأن اليمن يستحق مستقبلًا أفضل. جيل يرفض الولاء من الخارج ويتمسك بالعلم والعمل والإخلاص، ويجعل من المصلحة الوطنية بوصلته الأولى والأخيرة.
فالأمجاد لا تورث للأمم الضعيفة، ولا تمنح للشعوب المستسلمة، بل يصنعها الأحرار الذين يمتلكون الشجاعة لمواجهة الواقع، والحكمة لتصحيح الأخطاء، والإرادة لصناعة الغد.
ويبقى السؤال قائمًا.. هل سيظل اليمن أسيرًا لتبعية والانقياد، أم أن أبناءه سيستعيدون روح الأجداد ويبدؤون رحلة جديدة نحو بناء مجد يليق بتاريخهم العريق.. إن الإجابة ليست في الكلمات، بل في الأفعال والمواقف التي ستصنعها القيادات التي حملت الأمانة أمام الله وأبناء الوطن.