> خالد بلحاج:

"25 عامًا وأنا أجمع الموروث الحضرمي المادي والمقتنيات النادرة، واستطعت جمع أكثر من 300 قطعة تراثية يمنية وأجنبية، جهد تطلب الكثير من الوقت والمال، وأصبح اليوم يشكل متحفًا في حضرموت، وعملت ذلك الموروث القديم شغفي" هكذا لخص سالم باراس (50 عامًا)، من سكان بلدة الدهماء بمديرية دوعن غرب محافظة حضرموت، مسيرة عمله في جمع المقتنيات الأثرية التي تمتد لخمسة وعشرين سنة من العمل وجمع الموروث التراثي. لم تُثنِ سالم باراس أي صعوبات في استمرار تحقيق حلمه في أن يصبح له متحف خاص يكون محطة زيارة لكل المهتمين بالموروث من اليمن وخارجها.

  • نشأة المتحف ودوافع "باراس"
لم يكن تاريخ بداية مشروع المتحف هو وقت افتتاحه العام الماضي، بل كانت البداية عام 1996 حين قرر سالم باراس العمل في جمع الموروث التراثي المادي في حضرموت والقطع الأثرية النادرة من مختلف الدول، فقد عمل على جهد كبير في عملية جمع الموروث إلى جانب كونه يعمل تربويًا. يقول باراس في حديثه لـ "الأيام"، إن هدفه من إنشاء المتحف هو الحفاظ على التراث الحضرمي بكل أنواعه من الاندثار، ويضيف: "فكرة إنشاء المتحف جاءت من حبي واهتمامي وشغفي بالتراث وكل ما يتعلق به، علاوة على شعوري بالمسؤولية تجاه الماضي الذي يصنع حاضرنا ومستقبلنا" ، خصص سالم باراس جزءًا من منزله إلى متحف جمع فيه كل جهده طوال 25 سنة من القطع التراثية الحضرمية المختلفة في مكان واحد، يتطلع كما يقول إلى توسيعه بشكل أكبر.
  • "محتويات المتحف وعدد القطع"
يؤكد باراس في حديثه لـ "الأيام"، أن المتحف يحتوي على 300 مقتنى أثري متنوع منها المتعلقة بالزي الحضرمي التقليدي بما في ذلك زي العريس القديم بالكامل الذي يشمل العمامة المزخرفة، الشال، الشيذر، حذاء باجحيش، والفص من الفضة كزينة.


ومن ضمن محتوى المتحف حسب باراس "الهداة"، وهي ما يُوضع فيه الطفل ويُهدهد به ليهدأ، والمزب وهو تقليد قديم مصنوع من الجلد ومنقوش بزخارف جميلة يقوم على ثلاثة عيدان كوزنية. ويوجد في المتحف أيضًا المحتويات التراثية النحاسية، الأسلحة التقليدية القديمة، وكافة المقتنيات المنزلية القديمة من فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وكافة ما يتعلق بالموروث الحضرمي الاجتماعي المادي من أزياء وأدوات طهي قديمة وزينة وأدوات مهن الحرف اليدوية. يمثل متحف باراس مخزنًا حيًا للتراث الحضرمي، حيث يضم مقتنيات تجسد جوانب مختلفة من الحياة اليومية والعادات والتقاليد القديمة في حضرموت.


كما خصص باراس ركنًا في المتحف للكتب القديمة الخاصة بالشعر الشعبي والعادات والتقاليد في حضرموت، ومن أهمها كتاب "زبدة الخلاصة في عادات وتقاليد حضرموت".
  • تنوع العملات التاريخية
إلى جانب المقتنيات المذكورة، يحتفظ باراس في متحفه بالعديد من العملات القديمة التي تعبر عن مراحل تاريخية مختلفة للمنطقة، وعملات من العالم ظهرت في فترات زمنية متعاقبة.


إذ يقول: "يوجد في المتحف العديد من العملات القديمة، منها عملة القسطنطينية ذات الحجم الدائري الكبير، مكتوب عليها تاريخ (1255 هجرية). وعملة الإمام يحيى بن محمد، مكتوب عليها (أمير المؤمنين المتوكل على الله)، صادرة سنة 1341 هجرية. أيضًا القرش الفرنسي، وهو قرش نمساوي لماريا تريزا من الفضة، وزنه قرابة 28 جرامًا، صادر سنة 1780 ميلادية. وعملات حضرمية قديمة من زمن النقيب صلاح الكسادي سنة 1276 هجرية. وربع عانة هندية للملكة فيكتوريا صادر سنة 1891 ميلادية، والعانة الهندية توازي عانتين للإمبراطور جورج السادس سنة 1944 ميلادية. كما يتضمن ركن العملات ميدالية للملكة إليزابيث من الفضة، وعملة من شرق أفريقيا تسمى الشلن، والسنتات المثقوبة لبريطانيا العظمى صادرة سنة 1934 ميلادية. ويتضمن المتحف أيضًا البُقْشَة بأنواعها المختلفة، مثل: نصف البقشة للجمهورية العربية اليمنية صادرة سنة 1963 ميلادية، إلى جانب جميع عملات جمهورية اليمن الديمقراطية، إضافة إلى عملة الجزائر الذهبية على شكل خلية نحل، تقدر بقيمة عشرة دنانير صادرة سنة 1981 ميلادية. كما يوجد في المتحف أول عملة معدنية للإمارات العربية المتحدة (الدرهم) صادرة سنة 1973 ميلادية، إلى جانب العديد من العملات لبلدان وممالك مختلفة".
  • "المتحف كوجهة سياحية ومكانته في حضرموت"
أصبح متحف باراس، إلى جانب متحف العماري، مزارًا وقبلة للسياح والزوار لوادي دوعن الجميل. يقع متحف باراس في بلدة الدهماء بمديرية دوعن غرب محافظة حضرموت.

وقد فتح كل من باراس والعماري أبواب بيوتهما أمام الزوار والقنوات الفضائية للزيارات والتصوير والتعرف على تراث وادي دوعن، ونقلا رسالة للعالم بأنه لا مستحيل ولا استسلام للأوضاع في توفير مكان مخصص كمتحف.


وفي ذات السياق يقول مدير مكتب الثقافة بالمديرية محمد بن صويلح إن "المتاحف تمثل كنزًا عظيمًا لحفظ التراث والمقتنيات القديمة، وفي دوعن اهتم البعض بهذا الجانب وعملوا على جمع كثير من المقتنيات القديمة وخصصوا بيوتهم لحفظها وعرضها أمام الزوار. ويضيف في حديثه لـ " الايام" أن سالم بجود باراس من أبناء قرية الدهماء بمرتفعات دوعن الجنوبية أسهم في حفظ تراث دوعن من خلال متحفه المميز.
  • جزء من تاريخ حضرموت
واجهت سالم باراس صعوبات كثيرة ومنها قلة الإمكانيات المادية كما يقول. ويضيف: "كانت الإمكانيات هي العقبة التي تعرقلني، حيث مرت البلاد بظروف قاهرة خارجة عن قدرتي المادية، وصرت على حافة الجوع والديون، ولم أجد المساندة، رغم المتاعب والمشقة في توفير مقتنيات جميلة ونادرة من دوعن خاصة، ومناطق أخرى كان الأهالي يحتفظون بها، وكنت أشتريها، وعندما ضاق الحال -للأسف الشديد- اضطررت أن أبيع بعضها في السابق".


يُعد متحف باراس، الذي نما من شغف شخصي وجهد فردي على مدى ربع قرن، مثالًا ساطعًا على أهمية المبادرات المحلية في صون التراث. على الرغم من التحديات المادية التي واجهها باراس، إلا أن إصراره وحبه لهذا الإرث الشعبي العظيم كانا دافعًا قويًا لخروج هذا المتحف للنور، ليصبح اليوم مرجعًا هامًا للأجيال القادمة للحفاظ على جزء أصيل من تاريخ حضرموت وتقاليدها.