حين تتصدّع المجتمعات تحت وطأة الصراعات، عادةً ما تتجه الأنظار نحو من يتصدرون المشهد السياسي أو الإعلامي، بينما يُغفل الدور الهادئ والدؤوب الذي تقوم به النساء في الظل - لا كمراقبات، بل كداعمات للاستقرار، وصانعات لأسس السلام الحقيقي.

المرأة اليمنية، في خضم الأزمات، لم تنسحب من المشهد، بل انخرطت فيه بأشكال متعددة وفعّالة. ففي كثير من القرى والمدن، لعبت النساء أدوارًا محورية في الوساطات المجتمعية، حيث تدخلن لاحتواء التوترات بين الأسر أو القبائل، وساهمن في منع تصاعد الخلافات إلى نزاعات تهدد السلم المحلي. بحضورهن الموثوق، وبصوتهن الهادئ، استطعن أن يُعيدن جسور الثقة حيث انهارت، ويُقربن المسافات حين باعدها الخوف.

إلى جانب ذلك، برزت مساهمات النساء في حل النزاعات اليومية التي تُهدد النسيج الاجتماعي الهش، من مشكلات التعليم وغياب الخدمات، إلى الخلافات المجتمعية المرتبطة بالملكية أو توزيع الموارد. وقد أطلقت كثير منهن مبادرات محلية تطوّعية، استهدفت دعم الأسر المتضررة، تمكين النساء اقتصاديًا، وتعليم الأطفال في غياب المؤسسات الرسمية.

بل إن بعض النساء شاركن في عمليات سلام محلية حقيقية - تلك التي لا تُعلن في نشرات الأخبار، لكنها تُبقي المجتمعات قائمة. عملن في لجان الوساطة، وتقدّمن بمقترحات لحلول مجتمعية، وكنّ همزة وصل بين أطراف النزاع حين انقطعت وسائل الحوار الرسمية، وشاركت على المستوى الإقليمي والدولي في مشاورات تهدف لإيجاد حلول لسلام مستدام.

ورغم هذا الحضور النوعي، لا تزال المرأة في كثير من المسارات الرسمية لبناء السلام تُعامل على أنها "تمثيل رمزي" لا أكثر. تُدعى للحضور لا للمشاركة، وتُستمع إليها مجاملة، لا باعتبارها فاعلة وصاحبة رؤية.

لكن لا يمكن الحديث عن سلام شامل وعادل دون إشراك كامل للمرأة في صياغته وتنفيذه ومراجعته. لأن من كانت حاضرة في أصعب اللحظات، لا يمكن تغييبها عند لحظة البناء. ومن أدارت الأزمات بحكمة وهدوء، قادرة على أن تُشارك في رسم ملامح يمن جديد أكثر استقرارًا وإنصافًا.

نحن بحاجة إلى تغيير المفاهيم قبل تغيير السياسات. إلى أن نرى المرأة اليمنية كصانعة للسلام، لا كمتلقية له. كمبادِرة، لا كضحية. كشريكة في القرار، لا كمشهد تكميلي في صورة جماعية. النساء اليمنيات لا يطلبن امتيازات، بل مساحة عادلة للمشاركة.

هنّ موجودات في الميدان منذ زمن، يعملن في صمت ويصنعن الفارق، ينتظرن فقط أن يُعترف بدورهن، وأن يُفتح لهن المجال ليواصلن العمل على أوسع نطاق - لا لأجلهن فقط، بل لأجل وطنٍ أنهكته الحروب، يحتاج إلى كل قوى الخير فيه، نساءً ورجالًا، جنبًا إلى جنب.