في ملعب السياسة، كما في رحلة القافلة، لا تُقاس المسافة بما قُطع من الطريق، بل بمن يقود الركب وبأي حمولة ، وبأي نية، وإلى أين؟

واليوم، تبدو شراكة الجنوب في إطار "الشرعية" أقرب إلى قافلة يقودها جملٌ كهل عليل فاقد الأهلية، وفي ذيله المشيب يجر ركبٌ غير متجانس. فيما الجنوب وبكل إنسانه وتاريخه وقدراته وثرواته محشور ومربوط بأنفه إلى الذيل!

بين شرعية القافلة وقافلة الشرعية ، تبدو الصورة كمَن أُصيب بالإعياء، وأنهكته الحمولات السياسية المتراكمة والمتفالتة حتى فقد القدرة على التمييز بين الصعود والنزول. الإقبال والأدبار ومع ذلك، يُصرّ من بيدهم زمام الخطام على جعله واجهة الركب، لا لشيء إلا لأنه يطيع دون أن يسأل، ويذعن دون أن يتململ.

وفي مضمار هذه القافلة وجد الجنوب، ومجلسه الانتقالي في موقع معقد: شريك في قافلة لا يختار وجهتها، ومُحمّل بمسؤولية قيادة جغرافيا يعرفها جيدًا، ويفهم في تضاريسها. ومع ذلك، يُراد له أن يكون مقطورًا في ركب يضمر له الشر المركب والخديعة المعتادة.

في أعراف القوافل ورحلاتها، لا بدّ أن يتقدم الركب السديرة، القوي العارف بدروب النجود ومتاهات الفيافي، وهو الذي تسري همّته في بقية الركب ليغدوا ( واثق الخطى يمشي ملكًا) لكن ما نشهده اليوم هو العكس: السديرة في أرضه مربوط إلى الذيل، والواهن في المقدمة، والركب يسير بلا همة ولا دراية إلى أين!

المشكلة لا تتوقف عند ضعف سديرة الركب والركب معا بل إلى من يمده بـ"قوت لا يموت"، والأنكى حين يُوكَل أمر الحسوك أسفل العقبة لشيبة كهل، يسرق نصف الحسوك ويزيد.

هنا يُطرح سؤال وجودي على الجنوب وقياداته هل يمكن أن تستمر هذه الشراكة في ظل ميزانٍ مختلّ؟ وهل يُحشَر الجنوب في قافلةٍ لا يملك زمامها، مع شركاء يزورون تاريخه ولا يضعون بالا لموقعه وأهميته؟ بل متفقون على محاربته بحروب شتى ومع ذلك يطلبون منه حماية القافلة وتوفير زادها لا بل وحمولتها أيضًا .

وهكذا يتعامون عن حقيقة ساطعة سطوع الشمس بكون الجنوب شعبا لم يكن يومًا عالة على أحد شبعان من بيته كما يقال بل كان دومًا سديرة الركب حين تاهت القوافل. وإن استمرار هذا الوضع المهين لا يُمثّل فقط عبئًا سياسيًا، بل إهانة لكرامة شعبٍ رفض التبعية والاحتلال على مدى التاريخ والله المستعان

ما يمكن تلافيه هو مراجعة قواعد القافلة:

ماذا يجب على ماسك الخطام ؟

من أحق الآن بالسديرة؟

من يُؤتمن على الحسوك؟

من يراقب المسار ويؤمّن السير؟

وهنا، الحكمة تقتضي إعادة ضبط عدّادات المعادلة.

وما لم يُعاد ضبطها سيظل الجمل يئن ، والركب يتعثر، والعصا في يد من لا يعرف كيف تُستخدم... أو يستخدمها، فيتناثر الحمل، ويغري ذلك الكلاب المتربصة والذئاب الجائعة. وعلى أصوات عوائها يتدافع النهابة وقطاع الطرق ونهب الجمل بما حمل.