في ظل التدهور المتسارع للاقتصاد اليمني، وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة، تبرز محاولات البنك المركزي اليمني مؤخرًا لإعادة ضبط الوضع النقدي والمالي، كخطوة أولى ضمن مسار طويل من الإصلاحات الاقتصادية التي طال انتظارها.

لكن هل تكفي هذه الإجراءات وحدها؟ وهل يمكن لفريق اقتصادي إصلاحي أن يعمل في بيئة يغيب عنها الحد الأدنى من الحوكمة والمساءلة والشفافية؟
  • البنك المركزي… بداية لا تكفي
لا شك أن قرارات البنك المركزي، المتعلقة بتوحيد السياسة النقدية، وضبط سوق الصرف، ومحاولة تحييد القطاع المصرفي عن الصراع، تمثل خطوات بالغة الأهمية.

لكن هذه الخطوات تبقى محدودة الأثر، في ظل غياب إصلاح حقيقي لمؤسسات الدولة، وخصوصًا في المجالين الضريبي والجمركي، وفي إدارة الموارد العامة.

فلا يمكن تثبيت استقرار العملة ولا تحسين القوة الشرائية للمواطن، في ظل دولة تستمر في إنتاج الفساد بدل محاربته.
  • الحوكمة والمساءلة: المعركة المؤجلة
الإصلاحات الاقتصادية لن تكون ذات معنى دون بنية حوكمة حقيقية، تشمل:

• شفافية في إيرادات الدولة من النفط والغاز والمنافذ.

• رقابة حقيقية على الإنفاق العام والموازنات.

• مساءلة قانونية للمسؤولين الفاسدين، بدل تدويرهم في المناصب.

لقد أصبحت المساءلة مطلبًا دوليًا قبل أن تكون وطنيًا. الجهات المانحة لم تعد تثق بالشعارات، بل تطالب بإصلاحات ملموسة، تقود إلى بناء مؤسسات خاضعة للقانون، وليس للأشخاص أو الأحزاب.
  • الانعكاس على حياة المواطن
ما لم تنعكس هذه الإصلاحات على حياة الناس بشكل مباشر، فإنها ستبقى في نظر الشارع مجرد “خطابات نخب”، لا تُطعم جائعًا ولا توفّر فرصة عمل.

• ما يريده الناس هو استقرار في سعر العملة.

• وصول الخدمات الأساسية دون ابتزاز.

• وأهم من كل ذلك: إدارة عامة وطنية نظيفة، تحميهم من تغول المصالح.
  • الإصلاح السياسي… جوهر كل إصلاح
لا يمكن للاقتصاد أن يتعافى في ظل نظام سياسي متهالك، قائم على المحاصصة والترضيات.

الدول الداعمة لليمن، أصبحت واضحة في مطالبها:

لا دعم دون إصلاح شامل، يشمل:

• إصلاح النظام السياسي عبر تمكين مؤسسات تشريعية ورقابية مستقلة.

• إعادة هيكلة منظومة القضاء لضمان العدالة وبيئة الأعمال.

• معالجة التشوهات في التعيينات، وضمان النزاهة والكفاءة.

إذا أرادت الشرعية أن تحافظ على ما تبقى من دعم وثقة، فعليها أن تدرك أن المعركة لم تعد فقط مع الانقلابيين، بل مع نفسها أولًا.

معركتنا اليوم هي مع نظام اقتصادي وسياسي فاسد ومتهالك، يحتاج إلى اجتثاث حقيقي، لا مجرد ترقيع.

إن إنقاذ اليمن يبدأ من إعادة تعريف الدولة على أسس الحوكمة والشفافية والمساءلة، وإلا فإن الشعب سيبقى ضحية أخرى في لعبة المصالح العابرة للحدود.