بينما كنت أتصفح الأخبار، استوقفني خبر وفاة القاضي الأمريكي فرانك كابريو، الذي عرفه الملايين حول العالم بلقب "القاضي الرحيم". لسنوات، تابع الملايين مقاطع من جلساته، لم يكن قاضياً عادياً في المحكمة البلدية لمدينة بروفيدنس، بل كان رمزًا حيًا لمعنى العدالة الرحيمة، حيث جمع بين تطبيق القانون والنظر بعين الإنسان إلى ظروف الناس وحياتهم.

هذا التفاعل العالمي، ومنه العربي واليمني، مع خبر وفاته، لا يمكن قراءته كمجرد تعاطف مع شخصية تلفزيونية، بل هو انعكاس لتوق داخلي عند كثيرين: توق إلى عدالة نزيهة، إنسانية، قريبة من الناس، تفهم ظروفهم ولا تغفل عن الحقوق.

في اليمن، حيث تتشابك التحديات وتتنوع الاحتياجات، يظل مفهوم العدالة أحد أبرز القيم التي نتشاركها، مهما اختلفت وجهات النظر. لكنها عدالة لا تتحقق فقط عبر المحاكم أو القوانين، بل تبدأ من أصغر المواقف اليومية: من معاملة الأب لأبنائه، إلى قرارات المعلم في الفصل، إلى التزام الموظف بواجبه، واحترام السائق لطابور البنزين.

العدالة ليست شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُمارس، ومنظومة يُبنى عليها مستقبل. وهي لا تكون حقيقية إلا حين تصبح مسؤولية مشتركة بين الفرد، المجتمع، والمؤسسات. حين يدرك كل شخص أن العدالة تبدأ من داخله، في طريقة تفكيره، في قراراته، وفي قدرته على الإنصاف حتى وهو في موقع القوة.

وربما السؤال الذي نحتاج أن نطرحه – لا من باب الشكوى، بل من باب البناء – هو: كيف يمكن لنا جميعًا، كل من موقعه، أن نقترب من تحقيق عدالة تُشبهنا، وتخدم مستقبلنا؟ ما الخطوة التي يمكن أن يخطوها الفرد؟ وماذا يمكن أن تفعله المؤسسة؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يعزز الثقة بينهما؟

لقد قدم لنا القاضي كابريو مثالًا بسيطًا، لكنه عميق: العدالة لا تحتاج إلى تعقيد، بل إلى نية صادقة، واستماع حقيقي، ورغبة في الإصلاح. فهل يمكن أن نبدأ من هنا، ونبني معًا عدالة نعيشها… لا فقط نحلم بها؟