حين غابت أبسط وظائف الدولة انتشر الفساد وعم البلاد وألحق أضرارًا بالغة بحياة العباد في معيشتهم وخدماتهم، ليس مجرد فساد أفراد وحسب ولكن فساد منظومة متكاملة، وفي التفاصيل وفقًا لما تم ويتم تداوله:

فساد على صورة نزيف لعملة الدولار تحت بند ما أسموه (الإعاشة) لمن هم في الخارج والمسؤولين في الداخل وبمبالغ غير هيّنة وفي ظل ما يشكوا منه البنك شحة توافر العملات الخارجية في رصيده فضلاً عن شحة السيولة بالعملة المحلية مما جعله ذلك عاجزًا عن الإيفاء بدفع مرتبات الموظفين بانتظام - لشهرين وثلاثة أشهر لم يستلموا مرتباتهم - وبمتطلبات الخدمات العامة وفي السياق وفي ظل ما تشكوا منه الحكومة توقُّف تصدير النفط والغاز بسبب اعتداءات الحوثي وحرمان البلد / البنك المركزي من عائداته بالعملات الخارجية.

وفساد على صورة عبث بالمال العام تكلفة مشاريع عبارة عن فائض حاجة: مصافي النفط وتقارير الجهاز المركزي بهذا الخصوص مثالًا.

وربما فساد في الاستيراد لعدم توجيه ما يعتمد له من تمويل من البنك المركزي بالدولار وجهته الحقيقية ولذات الغرض. فساد في عدم توريد بعض المؤسسات والسلطات المحلية عائداتها إلى البنك المركزي وإيداعها في حسابات خاصة لدى البنوك الأهلية وبنوك الصرافة.

وفساد بالمضاربة بالعملة وقد يكون بالمصارفة أيضاً ، يقال ان لدى بعض شركات الصرافة من العملات الخارجية ما يفوق رصيد البنك المركزي .

نهب حكومي للوديعة السعودية التي كانت تضخ إلى البنك المركزي لغرض إنقاذ العملة المحلية وحياة الناس المعيشية من جور غلاء الأسعار وتحسين الخدمات، وفي السياق فساد في مقاولات مشاريع البنى التحتية / الطرقات والجسور المرتبطة بها بدليل ما أظهرته الأمطار الأخيرة.

وفساد في صرف مناطق ممرات مياه الأمطار ومخارج مياه السيول، صرفها أراضي سكنية وتجارية ور بما الصمت على البناء العشوائي أيضًا بدليل ما نتج من كارثة إنسانية جرّاء تدفق السيول الأخيرة دون أن تجد منافذ لها للخروج إلى البحر مديرية البريقة مثالًا.

لم ينحصر الفساد على الداخل الاقتصادي والخدمي ولكن وصل حد غسيل الأموال وتمويل الإرهاب طالما كانت وزارة الخزانة الأمريكية قد دخلت على خط الإصلاحات ودعمها.

وعلى صعيد آخر وبعد ان صار الفساد ينهش الجسد الجنوبي وخراطيمه تشفط متطلبات معيشة أبناء شعب الجنوب وحقهم الوجودي في العيش والحياة فقد تدخّل القضاء محموداً على خط الإصلاحات وفتح ملفات الفساد وأشهر قوة القانون.

إن الفساد لم يقتصر على الجانب الاقتصادي والخدمي وحسب ولكن شمل الجانب الإداري أيضًا طالما كانت الجهات ذات العلاقة والاختصاص لم تقم بواجباتها في النزول لتفقد حالة الجسور الفنية والإنشائية وصيانتها دوريًّا باعتبارها شريان الحياة، مما ترتب عليه تآكلها بدليل ضعف مقاومتها لتدفق مياه السيول الأخيرة وانهيار بعض عمدانها وحدوث التشققات والتصدُّعات فيها، جسر العرائس لحج مثالًا.

بما هو جسر الرَّده –جول مدرم– المسيمير– كرش يعاني من تآكل في طبقته الأسفلتية ودون أن يحصل على صيانة وكذلك جسر عقان–كرش الذي تم الإضرار به وإخراجه عن الجاهزية بحرب قوى الاحتلال عام 1994م ولازال منذُ ذلك الحين حتى الآن ورغم مرور ثلاثون عاماً لم تمتد إليه يد إعادة الإنشاء .

إن قيمة المواد الغذائية والأدوية والوقود والمحروقات وغاز الطبخ لا زالت تراوح في مكانها طالما كانت لم تواكب وتتماشى مع انخفاض العملات الخارجية الذي وصل حتى الآن إلى 40 % وطالما كان الانخفاض فيها أي الأسعار… إلخ لم يتعدى نسبة 20 % في أحسن الأحوال، ولذا فقد اعتبر المواطن المستهلك الإصلاحات مجرد أحاديث طالما لم تحدث أي جديد في حياته.

فيما هي إيجارات المساكن أيضاً وفي الوقت الذي كانت ترتفع فيه مع كل ارتفاع للدولار والسعودي حيث وصلت إلى 80 – 100 ألف ريال إيجار الشقة السكنية الصغيرة فإنها وبعد انخفاض الدولار والسعودي لا زالت كما كانت.

ويا مستأجر أقبل بذلك أو أخرج أسرتك إلى الشارع، وهي دعوة للسلطات المحلية والأمنية والقضائية في لحج للمعالجة.

ولكل ما سلف وبصورة عامة حان الوقت للجهد المجتمعي الشعبي والمدني والإعلامي والصحفي والديني أن ينهض بدوره ويتظافر مع الجهد السياسي والحكومي والقضائي وعلى طريق استئصال غول الفساد باعتباره بيت الداء وتجفيف منابعه كضرورة وطنية وحياتية عاجلة وغير قابلة للتأجيل.