> "الأيام" غرفة الأخبار:

الغارة الإسرائيلية الأخيرة على مجلس وزراء الحوثيين في صنعاء قلبت موازين الصراع في اليمن والمنطقة. فاستهداف رأس الحكومة الحوثية، بما فيه رئيس الوزراء ووزير الخارجية، كشف عن اختراق استخباراتي عميق لم يكن متوقعًا، وألقى بظلاله على مستقبل الجماعة التي بدت لأول مرة أمام ضربة قاصمة قد تعجّل بتفككها من الداخل. وفي المقابل، تتعرى حكومة الشرعية اليمنية المعترف بها دوليًا من أي قدرة على استثمار هذا المنعطف، لتظل عاجزة عن التحرك شمالًا أو حتى عن تقديم نفسها كبديل جاد. وهنا يبرز السؤال الملح: إذا سقط الحوثيون أو تراجعوا، فمن البديل؟ وكيف سيبدو اليمن بعد اهتزاز عرش الجماعة التي حكمت صنعاء بقبضة حديدية طوال عقد كامل؟
  • كسر هيبة الحوثيين
بحسب معهد واشنطن، فإن الضربة التي نُفذت في 28 أغسطس مثّلت تحولًا نوعيًا غير مسبوق، إذ تجاوزت إسرائيل مرحلة استهداف البنية التحتية – من موانئ ومطارات ومحطات طاقة – إلى ضرب مركز السلطة المدنية مباشرة. العملية أظهرت قدرة استخباراتية فائقة تمثلت في جمع معلومات دقيقة عن اجتماع حكومي سري، وهو ما يعكس حجم الاختراق داخل بنية الحوثيين.

هذا التحول لم يكن عسكريًا فحسب، بل نفسيًا وسياسيًا أيضًا. فالجماعة التي اعتادت تقديم نفسها كقوة منيعة عصيّة على الاختراق، وجدت نفسها أمام انكشاف خطير، يدفع قياداتها إلى التخفي وإعادة حساباتها. وفي المقارنة مع ضربات إسرائيل ضد قيادات حزب الله في 2024، يمكن القول إن الحوثيين دخلوا الآن مرحلة دفاعية جديدة، يتوقع أن تعمّق هشاشتهم الداخلية بمرور الوقت.
  • تصعيد يتجاوز اليمن
مجلة فن الحكم المسؤول رأت أن اغتيال رئيس حكومة الحوثيين يمثل تصعيدًا خطيرًا ينقل المواجهة من حرب استنزاف إلى صراع إقليمي مفتوح. إسرائيل لم تعد ترى خطوطًا حمراء جغرافية أو سياسية، إذ باتت مستعدة لتوجيه ضربات على بُعد أكثر من 2000 كيلومتر من حدودها، طالما تعلق الأمر بردع تهديدات الحوثيين للملاحة الدولية أو للمصالح الإسرائيلية.

لكن هذا التصعيد، رغم قوته، يفتح على إسرائيل مأزقًا استراتيجيًا: فهي غارقة أصلًا في جبهات غزة ولبنان وإيران، ودخولها في حرب طويلة مع الحوثيين يهدد بتشتيت مواردها وتوسيع دائرة الاستنزاف. غير أن إسرائيل تبدو مقتنعة بأن "محور المقاومة" وحدة واحدة، وأن ضرب الحوثيين جزء من معركة كبرى ضد إيران وأذرعها. وهنا تكتسب الضربة في صنعاء بُعدًا يتجاوز اليمن، لتصبح حلقة في صراع إقليمي ممتد.
  • مأزق داخلي
ردة فعل الحوثيين الداخلية على الغارة الإسرائيلية جاءت مرتبكة وقاسية في آن. فبدل إظهار تماسك سياسي أو عسكري، لجأت الجماعة إلى تكثيف حملات الاعتقال ضد موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الإنسانية. تقارير دويتشه فيله وثقت احتجاز 34 موظفًا أمميًا مؤخرًا، ضمن أكثر من 2600 حالة إخفاء قسري منذ 2018.

هذا السلوك يكشف عن ارتباك داخلي، إذ يحاول الحوثيون ترميم سلطتهم المتصدعة عبر فرض الخوف والقبضة الأمنية، وتصوير أي نشاط إنساني على أنه واجهة لشبكات تجسس أمريكية – إسرائيلية. لكنها سياسة محفوفة بالمخاطر، لأنها تضع الجماعة في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، وتعمّق عزلتها في وقت هي أحوج ما تكون فيه للدعم الخارجي أو للاعتراف السياسي.
  • السعودية وإيران في قلب المعادلة
الغارة الإسرائيلية لاقت صدى متوقعًا في السعودية، التي عانت لسنوات من صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيّرة. مراقبون رجّحوا أن الرياض ستنظر بإيجابية إلى العملية، وربما تجد فيها فرصة لإعادة النظر في تفاهماتها الأخيرة مع الحوثيين، بل والانفتاح على تعاون أمني غير معلن مع إسرائيل ضد العدو المشترك.

في المقابل، تجد إيران نفسها أمام معادلة صعبة. فهي من جهة المستفيد الأكبر من تصعيد وكلائها ضد إسرائيل والغرب، لكنها من جهة أخرى غارقة في أزماتها الاقتصادية والداخلية والإقليمية، ولا تبدو قادرة على تحمل مواجهة مباشرة جديدة. أي تصعيد إضافي مع إسرائيل عبر الحوثيين قد يجلب لها خسائر تفوق المكاسب، ويضعف أوراقها في ملفات أكثر حساسية كبرنامجها النووي والعلاقة مع الغرب.
  • الشرعية عجز أمام فرصة تاريخية
رغم أن الضربة مثلت ضربة قاصمة للحوثيين، إلا أن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لم تظهر أي قدرة على استثمار هذا التحول. الشرعية تعاني انقسامات عميقة داخل معسكرها، وغياب رؤية سياسية وعسكرية لإدارة الشمال، فضلًا عن ارتهانها للتحالف الإقليمي أكثر من امتلاكها لقرار مستقل.

وهنا يكمن الخطر الأكبر: فبينما تتعرض سلطة الحوثيين لهزة عنيفة، لا يوجد بديل جاهز أو مشروع واضح لملء الفراغ. وإذا لم تتحرك قوى الشرعية أو الفاعلون المحليون سريعًا، فإن اليمن قد يدخل في مرحلة جديدة من الفوضى، حيث يتنازع اللاعبون المحليون والإقليميون على المكاسب بدل أن تشهد البلاد بداية لاستعادة الدولة.
  • من البديل بعد الحوثيين؟
البدائل المتاحة تبدو معقدة ومتداخلة:

المجلس الانتقالي الجنوبي: يملك نفوذًا قويًا في الجنوب، لكنه لا يمتلك قاعدة صلبة في الشمال، كما أن أجندته الانفصالية تجعله بعيدًا عن لعب دور وطني جامع.

القوى القبلية في الشمال: قد تستعيد بعض النفوذ حال ضعف الحوثيين، لكن غياب التنظيم السياسي يجعلها عاجزة عن تشكيل بديل حقيقي.

الشرعية اليمنية: رغم الاعتراف الدولي، إلا أن ضعفها الداخلي وعجزها العسكري يجعلها في موقع المتفرج أكثر من اللاعب.

التدخل الإقليمي: في ظل الفراغ، قد تجد القوى الإقليمية (السعودية، إيران، وربما إسرائيل) فرصة لإعادة رسم خريطة النفوذ بشكل مباشر.
  • نحو مستقبل مجهول
الغارة الإسرائيلية محطة فاصلة قد تعجّل بانهيار الجماعة من الداخل، وتدشن مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي حول اليمن. لكن المفارقة أن الطرف الأضعف في هذه اللحظة ليس الحوثيين وحدهم، بل أيضًا حكومة الشرعية التي أثبتت عجزها عن التحرك واستثمار الفرصة.

اليمن اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تؤدي الضربة إلى بداية النهاية لسلطة الحوثيين وتفتح الباب لاستعادة الدولة، أو أن تتحول إلى شرارة فوضى جديدة يستفيد منها اللاعبون الإقليميون فيما يظل اليمنيون الخاسر الأكبر. والجواب عن سؤال "من البديل؟" ما يزال غامضًا، لكنه سيحدد شكل اليمن والمنطقة في السنوات القادمة.