استقالة سالم ثابت العولقي لم تأت من فراغ، ولم تكن حدثا عابرا يمكن تجاوزه بكلمة "ظروف خاصة" أو تبرير إداري باهت.

هي رسالة مثقلة بالألم، محملة بالدلالات، ومشبعة بالخذلان، تكشف بجلاء عمق الفساد وتجذره داخل سلطة الأمر الواقع.

ليست المسألة غامضة كما يحاول البعض إيهامنا، فكل من يعرف مواقف العولقي وصلابة خطابه، يدرك أن خروجه من المشهد بهذا الشكل هو نتيجة لموقف رجولي لا لمزاج. نتيجة لانهيار الثقة، واصطدام القيم التي تمسك بها، بجدار من المصالح والعفن السياسي الذي بات يفرض نفسه على كل شريف داخل مؤسسات السلطة.

لقد خذل العولقي، خذله من كانوا الأقرب إليه، من هم داخل دائرة القرار، من يشار إليهم اليوم ببنان الفساد، ويوشى إليهم بصوت خافت في المجالس المغلقة.

لكن الأكثر مرارة، أن من لم يدافع عنه وقت حاجته، من صمت وابتلع لسانه، هو ذاته من كان يفترض أن يحارب الفساد، فإذا به يهادنه، أو يبرره، أو يصمت عنه صمت الشركاء.

وفي هذا السياق، لم يعد من الممكن الحديث عن "فساد محدود" أو "أخطاء فردية"، بل نحن أمام منظومة متكاملة، منظومة فساد لا تخفي نفسها، ولا تخجل من أفعالها، بل أصبحت جزءا أصيلا من بنية الحكم.

الفساد هنا ليس عارضا، ولا طارئا، بل هو من صلب هذه السلطة. منه وفيه. يجري في مفاصلها كما يجري الدم في العروق، يحمي نفسه بنفسه، ويُقصي كل صوت نزيه يمكن أن يعكر صفو الطاولة أو يهدد التوازنات المشبوهة.

وهنا، تظهر الاستقالة كموقف شجاع، لكنها في ذات الوقت تسلط الضوء على الواقع المر، وبأنه لا مكان للشرفاء في سلطة تدار بمفاتيح المصالح والولاءات الضيقة.

لم يتبق لنا إلا أن ننتظر اللحظة التي يظهر فيها الفاسد نفسه، بكل وقاحة، ليقولها بالفم المليان:

"أنا الفاسد، وأنه لطز فيكم، فماذا أنتم فاعلون؟" .

وهنا، لا يكون الفساد مجرد ظاهرة، بل يصبح "عقيدة حكم"، وأسلوب إدارة، وثقافة يومية، يتم فيها تهميش كل من يرفض الانخراط في مستنقع التواطؤ أو اللعب على الحبال.

ما حدث مع العولقي، يجب ألا يقرأ كخبر سياسي عابر، بل كجرس إنذار أخير، فحين يقصى الصوت الصادق، ويستبدل بالوجوه الرمادية، فإننا نتجه بثقة نحو هاوية لا نجاة منها إلا بانفجار كبير، أخلاقي، قيمي، شعبي، أو حتى سياسي.

المعادلة اليوم واضحة، إما أن نقف مع من يحاولون الإصلاح من الداخل، أو نصبح كلنا وبربطة المعلم، شهود زور على مرحلة تعيد إنتاج الخراب بكل ما أوتيت من وقاحة.

وحالكم السالم..