غيب الموت الشقيقين الأستاذ حسين ناجي الخراز والأستاذ محمد ناجي الخراز في حادث مؤسف على طريق بيحان عتق، لتختتم بذلك صفحة ناصعة من حكاية أخوة قلّ أن يجود الزمان بمثلها.

في زمن تتقاذفه المصالح وتهشمه نزاعات الحياة اليومية، نادرا ما نسمع عن أخوّة صافية لا تشوبها شائبة، وعن قلوب اجتمعت على الحب الخالص والوفاء الصادق. لكن في قريةٍ ريفية هادئة، كتب للتاريخ أن يحفظ قصة شقيقين من أسرة آل عبدالله بن علي الخراز في قرية النويدرية، عاشا عمرهما كأنهما وجهان لروح واحدة، وحياة واحدة، وابتسامة واحدة.

منذ فتوّتهما، جمعت قلبيهما رابطة لا تقاس بقرابة الدم فحسب، بل بصفاء الأرواح التي اختارت أن تبقى معًا في السراء والضراء. وبعد أن أدّيا واجبهما في صفوف القوات المسلحة، انطلقا إلى ميدان آخر من ميادين العطاء: ميدان التعليم.

فكان أحدهما معلما لمادة الاجتماعيات، والآخر معلما لمادة اللغة العربية في مدرسة الوحدة للتعليم الأساسي بمدينة النقوب. لم يكتفيا بزرع بذور المعرفة في عقول الأجيال، بل غرسـا في قلوب طلابهما معنى الإنسانية، حتى صارا معلمين للأخلاق قبل أن يكونا معلمين للعلوم.

ورغم أن كلًا منهما تزوج وأسس أسرة، إلا أن دارًا واحدة وسقفًا واحدًا ظل يجمعهما لفترة من الزمن، وكأن القدر شاء أن يبقيا كتفا إلى كتف حتى آخر العمر. لم تفرق بينهما مغريات الدنيا، لا مال ولا جاه، ولا حتى همسات الناس. كل رحلة كانا يخوضانها معًا، كل جلسة سمر لا تكتمل إلا بحضورهما، وكل قرار في شؤون الحياة كان ينبض بقلب واحد وعقل واحد. إنها أخوّة نادرة، تنحني أمامها القلوب إعجابًا ودموعًا.

حتى جاء يوم الاثنين 22 سبتمبر 2025م، ليكتب القدر آخر سطور هذه الحكاية المضيئة. فقد انطلق الشقيقان في طريقهما لتوديع اثنين من أفراد أسرتهما المسافرين في رحلة علاجية، وكعادتهما الأزلية يرافق أحدهما الآخر. لكن مشيئة الله سبقت، فوقع الحادث المؤلم الذي صعدا فيه معًا إلى الرفيق الأعلى، كما عاشا متلازمين، رحلا متلازمين، تاركين خلفهما قصة وفاءٍ تذرف لها العيون وتخشع لها القلوب.

كان رحيلهما فاجعة كبرى لقرية النويدرية ومديرية عسيلان، ولمدينتهما التي أحبّتْهما وأحبّاها، ولمدارسهما التي شهدت رسالتهما التعليمية السامية. بكى المعلمون والتلاميذ، وبكت الجدران التي سمعت ضحكاتهما، والأزقة التي اعتادت خطاهما. غير أن الحزن، على قسوته، يهدأ أمام يقيننا بأن الرحمن قد اختارهما معًا إلى جواره، ليجزيهما خير الجزاء على ما قدما من أعمال صالحة وخدمة للوطن ورسالة تعليمية نبيلة، وليجمعهما في نعيم أبدي تحت ظل رحمته وجوار نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

أي قدرٍ عجيبٍ هذا الذي يجمع الحبيبين في الحياة، فلا يفرقهما إلا ليقودهما معًا إلى جنات الخلود!

رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته، وألهم أهلهما ومحبيهما الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون.