​نحن أبناء الجنوب قاطبة، قد تختلف رؤانا ووجهات نظرنا، وقد تتباين قراءاتنا للمشهد السياسي وطرق إدارة الصراع، لكننا جميعًا نتفق على هدف واحد ثابت: استعادة دولة الجنوب بكامل سيادتها واستقلالها الوطني.

لقد كنا في يومٍ من الأيام صُنّاع الوحدة بين نظامين جمهوريين في عدن وصنعاء، ودخلنا تلك التجربة بحسن نية وإيمان بمستقبل مشترك. ومع ذلك، تحمل الجنوب وحده كلفة تلك الوحدة من ظلمٍ وإقصاءٍ وتهميشٍ ممنهج طال الأرض والإنسان والمؤسسات. وحتى بين الجنوبيين أنفسهم، ظل التباين حاضرًا في موقفهم من الوحدة والانفصال، سواء خلال حرب 1994 أو في المراحل التي تلتها.

ولكن الواقع السياسي اليوم يقول إن سقوط النظام الجمهوري في صنعاء وعودة الإمامة بثوب جديد أنهى الوحدة سياسيًا وقانونيًا. ومن هنا، يصبح استعادة دولة الجنوب حقًا مشروعًا وواجبًا وطنيًا نسعى إليه سلمًا، وهو خيارنا المبدئي، وإن فُرضت علينا المواجهة، فنحن لها بكل جدارة.

اليوم، نحن كجنوبيين متوحدون بشكل لم يسبق له مثيل، ونسعى إلى تحالف سياسي جنوبي واسع يجمع كل القوى والمكونات، ونحن مستعدون للعمل من أجل هذا التحالف وأن نكون جزءًا أصيلًا منه، ومستعدون للعمل بهذا الاتجاه. وأنا مستعد شخصيًا، من خلال موقعي ومنصبي كوكيل أول للعاصمة عدن، ومن كوني أحد أبناء عدن، للمساهمة في هذا العمل الوطني الكبير، خدمةً لمصالح الجنوب وشعبه.

وانطلاقًا من هذه القناعة، فإنني أوجّه دعوة صادقة ومسؤولة إلى كل أبناء الجنوب، وبالأخص إخواني وأصدقائي في المجلس الانتقالي الجنوبي، بضرورة الإسراع في إطلاق حوار جنوبي–جنوبي جاد وحقيقي، يهدف إلى تشكيل لحمة وطنية جنوبية قوية، قائمة على الشراكة، والاعتراف المتبادل، وتغليب المصلحة العامة على أي اعتبارات ضيقة.

كما أؤكد على أهمية تمكين أبناء عدن من قيادة وإدارة شؤون محافظتهم، مع انفتاح كامل لكل جنوبي يتواجد في عدن للمساهمة في القيادة والإدارة. وبالمقابل، نعمل على ترتيب أوضاع أبناء عدن للإسهام في قيادة بقية المحافظات الجنوبية، بعيدًا عن أي حساسية، بما يعكس روح الشراكة الحقيقية بين كل أبناء الجنوب.

وأود أن أشيد بعزيمة وصدق الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، الذي عملت معه مباشرة وأعرفه عن قرب. فهو رجل صلب، خلوق، يجمع أبناء الجنوب ويؤمن بأن الجنوب لكل أبنائه، ويعمل بلا كلل من أجل تحقيق طموحات شعبه.

ونود أن نوجّه رسالة صادقة إلى الشعب الشمالي: نحن كجنوبيين لم نظلمكم ولم نتسبب في قتال في أرضكم، ولم نغزو أرضكم أو نعتدي عليكم. بل أنتم من جئتم إلى أرضنا وحاربتمونا، وتعرفون تفاصيل ذلك جيدًا.
واليوم، بعد فشل الوحدة، أصبح حقنا أن نعيش بسلام وأمان في أرضنا ودولتنا، ونتمنى أن يستقر وضعكم في بلدكم، لنتمكن جميعًا من العيش جيرانًا في سلام وأمان.

ونؤكد لإخواننا في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ولكافة شركائنا في العالم، أن دولة الجنوب ستكون عامل استقرار رئيسي في المنطقة، وسنعمل مع الجميع على استتباب الأمن في البحر الأحمر وباب المندب، ونكون شريكًا فاعلًا في صنع السلام العالمي، لأننا دعاة سلام وبناء قبل أي شيء آخر.

وفي إطار رؤيتنا المستقبلية، نؤكد أنه بعد تمكّن الأشقاء في الشمال من استعادة نظامهم الجمهوري في صنعاء واستعادة دولتهم هناك، فإننا نرى إمكانية العمل على اتفاق جديد بين الدولتين، يُسهّل الكثير من التعاملات والإجراءات، ويُنظم علاقات استثنائية وتعاونية، على غرار ما هو معمول به بين دول الخليج ودول أوروبا، بما يخدم مصالح الشعبين.

غير أن هذا التوجّه يظل مشروطًا بعودة النظام الجمهوري في الشمال، مع الحفاظ الكامل على كيان وسيادة دولة الجنوب وعدم المساس باستقلال قرارها الوطني.

وستظل عدن، عاصمة الجنوب، عصيّة على الانكسار؛ قد تمرض، لكنها لا تموت، لأنها مدينة الحياة والتاريخ والنضال، وستبقى كذلك بإرادة أبنائها وتكاتف الجنوبيين جميعًا.

إن المرحلة الراهنة تتطلب منا جميعًا أعلى مستويات المسؤولية الوطنية، والارتقاء إلى مستوى التحديات الكبرى، فالوطن لا يُبنى بالإقصاء، ولا يُستعاد بالتفرّق، وإنما بوحدة الصف ووضوح الهدف.
والله من وراء القصد.
* وكيل أول العاصمة عدن