بين السرديات والوقائع: قراءة واقعية لدور المجلس الانتقالي الجنوبي في مكافحة الإرهاب

> يُعاد إنتاج خطاب سياسي وإعلامي يختزل المشهد الجنوبي في ثنائية مضلِّلة: إمّا “دولة شرعية” غائبة، أو “ميليشيات” تُتهم تلقائيًا بالتطرف. هذا الطرح لا يصمد أمام الوقائع الميدانية، ولا أمام سجل الصراع الحقيقي مع التنظيمات الإرهابية في جنوب اليمن.

فليس الحوثيون، ولا ما يُسمّى بالحكومة المعترف بها دوليًا، وبالتأكيد ليس حزب الإصلاح المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، من خاضوا مواجهة مباشرة ومستمرة مع تنظيمي القاعدة في جزيرة العرب وداعش. على مدى سنوات، كان المجلس الانتقالي الجنوبي هو الطرف الوحيد الذي دخل في اشتباك مفتوح وطويل الأمد مع هذه التنظيمات، ودفع ثمن ذلك باغتيالات وهجمات استهدفت قياداته ومواقعه.
  • ادعاء"التقاطع الأيديولوجي" …
وسؤال بسيط: يذهب بعض المحللين إلى تصوير المجلس الانتقالي بوصفه امتدادًا أو بيئة حاضنة للتطرف، استنادًا إلى توصيفات أيديولوجية عامة. غير أن هذا الادعاء ينهار أمام سؤال بسيط ومباشر: إذا كان المجلس الانتقالي متماهيًا أيديولوجيًا مع الجماعات المتطرفة، فلماذا تُوجَّه هجمات القاعدة وداعش بشكل شبه حصري ضد قواته وقادته؟

الأهم من ذلك أن وتيرة هذا الاستهداف تصاعدت بشكل ملحوظ منذ دخول تنظيم القاعدة في تفاهمات عدم اعتداء مع جماعة الحوثي. هذا الواقع وحده يكفي لإعادة النظر في سردية “التحالفات الضمنية” التي تُطرح من خارج السياق الميداني.
  • من يقاتل القاعدة اليوم في أبين؟
على الأرض، السؤال أكثر وضوحًا: من الذي يخوض اليوم قتالًا فعليًا لتطهير محافظة أبين من بقايا تنظيم القاعدة؟

ليس الحوثيون.

ليس حزب الإصلاح.

وليست حكومة “شرعية” تعمل من فنادق الخارج وتفتقد لأي حضور أمني حقيقي.

القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي هي الجهة الوحيدة المنخرطة في هذا القتال، في ظروف معقّدة وبموارد محدودة، وضمن فراغ سيادي كامل لا يمكن إنكاره.
  • التهريب: بين الاتهام والوقائع الموثقة
تُستخدم قضية التهريب، خصوصًا عبر السواحل الجنوبية، كسلاح سياسي جاهز. نعم، تمتلك محافظات مثل لحج ساحلًا طويلًا ومفتوحًا، وهذا تحدٍّ أمني حقيقي. لكن القفز من هذا الواقع إلى اتهام المجلس الانتقالي بالتواطؤ يتجاهل الوقائع الموثقة.

خلال الأشهر الستة الماضية فقط، تمكّنت القوات البرية التابعة للمجلس الانتقالي، وبمساندة خفر السواحل الجنوبي شديد الشح في الإمكانات، من إحباط ما لا يقل عن 30 محاولة تهريب أسلحة ومخدرات في منطقة رأس العارة وحدها. هذه ليست تقديرات نظرية ولا “تحليلات مراكز أبحاث”، بل عمليات ضبط موثّقة على الأرض.
  • الخلاف السياسي لا يبرر تشويه الواقع
قد يختلف البعض مع دولة الإمارات العربية المتحدة الداعمة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وقد يختلف آخرون مع الهدف السياسي للمجلس المتمثل في استعادة دولة جنوب العرب، وكلا الموقفين يندرجان ضمن الخلاف السياسي المشروع. غير أن تحويل هذا الخلاف—سواء مع الداعم الإقليمي أو مع المشروع السياسي ذاته—إلى تشكيك في أداء المجلس الانتقالي في ملف مكافحة الإرهاب هو انزلاق من التحليل إلى التشويه.

فالاختلاف السياسي لا يغيّر من الوقائع الميدانية، ولا يُنكر حقيقة من يقاتل التنظيمات المتطرفة على الأرض ومن يكتفي بإدارتها أو التعايش معها. خلط المواقف السياسية بتقييم الأداء الأمني لا يخدم فهم المشهد، بل يقدّم قراءة انتقائية تبرّئ الغائبين عن المواجهة وتحمل الفاعلين وحدهم كلفة الحرب.
  • أخيرًا
بين السرديات الجاهزة والوقائع الميدانية، تبقى الحقيقة أكثر تعقيدًا، لكنها أوضح لمن يراها من الأرض، لا من الخرائط الذهنية.