يبدو أن المشهد الإيراني يتجه نحو مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب، في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وتدهور الوضع الاقتصادي، وتنامي الضغوط الدولية، بما فيها التهديدات الأمريكية والإسرائيلية. ومع اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، لم يعد الحديث عن سقوط النظام الإيراني مجرد افتراض نظري، بل سيناريو تتعامل معه العواصم الإقليمية الكبرى كاحتمال جدي يستدعي الاستعداد المسبق.

ضمن هذا الإطار، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل القوى المرتبطة عضويًّا بإيران، وفي مقدمتها جماعة الحوثيين في اليمن، التي شكّل الدعم الإيراني لها حجر الأساس في صعودها العسكري والسياسي.
  • أولًا: الحوثيون في لحظة الانكشاف الاستراتيجي
في حال سقوط النظام الإيراني، سيدخل الحوثيون أخطر مرحلة في تاريخهم. ففقدان الغطاء السياسي، وخطوط الإمداد العسكري، والدعم المالي، سيحوّلهم من ذراع إقليمية إلى سلطة محلية معزولة، مضطرة لإعادة تعريف دورها ووظيفتها في البيئة الإقليمية الجديدة.

وسيفتح هذا التحول الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية.
  • ثانيًّا: خيار المواجهة العسكرية
أحد السيناريوهات يتمثل في اندفاع قوات الشرعية، بدعم سعودي، نحو هجوم واسع لاستعادة مناطق سيطرة الحوثيين. في هذا الوضع، سيكون ميزان القوة أكثر اختلالًا ضد الجماعة، لا سيما في ظل ضعف قدرتها على التعويض العسكري بعد انقطاع الدعم الإيراني.

قد يحاول الحوثيون الرد عبر تصعيد الضربات ضد العمق السعودي، خصوصًا الأهداف الاقتصادية والبنى التحتية ، إلا أن هذا الخيار يبقى محدود الجدوى، لأن السعودية، وهي تتجه نحو ترتيب إقليمي جديد، ليست في وارد الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
  • ثالثًا: سيناريو الانفجار الداخلي
السيناريو الآخر هو تصاعد السخط الشعبي في مناطق سيطرة الحوثيين، مدفوعًا بالأزمة الاقتصادية والقمع السياسي وانكشاف الجماعة بعد سقوط داعمها الخارجي. غير أن هذا المسار يظل ضعيف الاحتمال في المدى المنظور، بسبب القبضة الأمنية الصارمة وغياب قيادة سياسية وطنية قادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع تغيير منظم.
  • رابعًا: الاتفاق مع السعودية – المسار الأكثر ترجيحًا
يبقى الخيار الأكثر واقعية هو اتجاه الحوثيين نحو صفقة استراتيجية مع المملكة العربية السعودية، تقوم على مقايضة الأمن بالشرعية. بموجب هذا الترتيب، يلتزم الحوثيون بتحييد حدود المملكة، ونزع أو تحجيم قدراتهم الاستراتيجية، وضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، مقابل قبول إقليمي ودولي بدورهم كسلطة أمر واقع، ودعم اقتصادي لإعادة الإعمار.

هذا السيناريو يتقاطع مع المصالح الأمريكية في حماية خطوط التجارة العالمية، كما يخدم، بشكل غير مباشر، المصلحة الإسرائيلية في تحييد إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني.
  • خامسًا: لماذا تستهدف السعودية المجلس الانتقالي الجنوبي؟
في هذا السياق، يصبح مفهومًا السلوك السعودي المتصاعد ضد المجلس الانتقالي الجنوبي سياسيًّا وعسكريًّا وتنظيميًّا فالمملكة، وهي تتجه نحو ترتيب استراتيجي مع الحوثيين، ترى في وجود قوة جنوبية مستقلة تمتلك مشروعًا سياديًّا وقاعدة شعبية واسعة عاملًا مقلقًا لأي تسوية طويلة الأمد.

فأي اتفاق مع صنعاء الحوثية لن يكون قابلًا للاستدامة ما لم يُعاد ضبط الجنوب، ونزع قدرته على تعطيل الترتيب الإقليمي الجديد.

المجلس الانتقالي، بطبيعته ومشروعه، لا يعترف بشرعية صنعاء ولا يقبل بإعادة إنتاج الدولة اليمنية، ويسيطر فعليًّا على الأرض والموانئ والسواحل، ما جعله الطرف الوحيد القادر على تقويض أي صفقة سعودية – حوثية.

من هنا، يمكن فهم الضغوط التي تمارسها الرياض ضد المجلس الانتقالي بل والعمل بأدوات شتى على حله - رغم الرفض الشعبي الجنوبي - باعتبارها أي الضغوط جزءًا من عملية تهيئة المسرح لما بعد الصفقة، لا مجرد خلاف تكتيكي عابر.
  • سادسًا: الاستعداد الإقليمي لمرحلة ما بعد إيران
ولا يمكن فهم كل هذه التحركات بمعزل عن الاستعدادات الإقليمية والدولية لمرحلة ما بعد النظام الإيراني. فالقوى الكبرى لا تنتظر سقوط طهران بوصفه مفاجأة، بل تعمل على إعادة هندسة ساحات نفوذها مسبقًا، بحيث تُدار الفراغات المحتملة بأقل قدر من الفوضى وأعلى قدر من الضبط.

ضمن هذا الإطار، يصبح اليمن، شماله وجنوبه، ساحة اختبار لهذا النموذج الجديد' شمال منضبط عبر صفقة مع الحوثيين، وجنوب محيَّد عبر تفكيك قوته السياسية والعسكرية.

مما سبق يمكن القول انه في مرحلة ما بعد إيران، لن يكون الحوثيون مجرد ضحايا للانهيار، بل طرفًا يُعاد توظيفه ضمن ترتيبات إقليمية جديدة. والسعودية، في سعيها للخروج من الحرب بأقل كلفة، لا تستهدف الجنوب حبًّا في الحوثيين، بل لأن الجنوب الحر يمثل العقبة الأخيرة أمام تثبيت صفقة استراتيجية تعيد رسم توازنات اليمن والمنطقة.