• فتح بلاد ما وراء النهر
أن هذا الإقليم يقع شمالي الدولة الفارسية، فإن معظم سكانه قبيل القرن السادس الميلادي كانوا من الفرس، ثم بدأت هجرات العناصر التركية تنحدر إليه من الشرق منذ القرن السادس الميلادي وما بعده حتى غلب العنصر التركي على العنصر الفارسي، ومع ذلك فقد ظلت اللغة الفارسية لغة الكتابة والثقافة والعلم والأدب فترة من الزمان، وبقيت اللغة التركية لغة التخاطب والتعامل اليومي بين الناس، والديانات التي كانت موجودة في الإقليم قبل الفتح الإسلامي، انتشرت عبادة النار في إقليمي (الصغد) (وخوارزم) إلى جانب الديانة (الزرادشتية) وذلك بين العناصر الفارسية.

أما الديانة (البوذية) فكانت شائعة بين العناصر التركية، وقد انتقلت إليهم من الصين، وبالإضافة إلى ذلك فقد وجد المبشرون المسيحيون من (النساطرة) فرصة لنشر مذهبهم في هذا الإقليم، وذلك قبل الفتح الإسلامي بقرنين أو ثلاثة.

مراحل الفتح الإسلامي وانتشار الإسلام:

المرحلة الأولى: بدأت المناوشات العسكرية بين المسلمين والقوى السياسية في منطقة ما وراء النهر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وقد تمت هذه المناوشات على الحدود في إقليم (طخارستان) الواقع إلى الجنوب الغربي لنهر جيحون وعاصمته مدينة (بلخ) وذلك أثناء مطاردة القوات الإسلامية (ليزدجرد) آخر ملوك الفرس وكانت بقيادة (الأحنف بن قيس)؛ فقد عبر يزجرد نهر جيحون، واستنجد بملوك الترك الذين أنجدوه، وتمكنوا بالفعل من استعادة إقليم طخارستان، إلا أنهم هزموا بعد ذلك، وفروا إلى داخل ما وراء النهر.

وتجددت الاشتباكات في عهد سيدنا عثمان بن عفان، فواصل الأحنف قتاله مع الترك إلى أن أجبرهم على توقيع صلح معه، ثم واصل الفتوحات حتى وصل إلى إقليم (خوارزم) الذي يقع جزء منه غربي نهر جيحون، وكانت هذه الجهود بمثابة المرحلة الأولى من جهود المسلمين في محاولة فتح هذا الإقليم.

المرحلة الثانية: قامت هذه المرحلة على شن العديد من الغارات الإسلامية على أمهات المدن في هذا الإقليم مثل: بخارى، وسمرقند وغيرها، وشملت هذه المرحلة فترة حكم معاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان، إذ كان من الطبيعي أن تتوقف هذه المواجهات أثناء الفتنة بين الإمام علي ومعاوية، وما أن استقرت الأمور لمعاوية حتى واصل حركة الفتوحات في هذا الإقليم عن طريق ولاة إقليم خراسان؛ هذا الإقليم الذي أصبح ثغرًا تنطلق منه الجيوش الإسلامية إلى منطقة ما وراء النهر، وظهر في هذه المرحلة ولاة أكفَّاء من أمثال: عبيد الله بن زياد، وسعيد بن عثمان بن عفان، ومسلم بن زياد، استطاع عبيد الله بن زياد أن يصل إلى بخارى ويفتح بعض أجزائها عام ٤٥هـ/٦٦٥م، وخضعت المدينة نفسها للنفوذ الإسلامي حين وقّع عبيد الله صلحًا مع ملكة بخارى تدفع بمقتضاه مليون درهم سنويا للمسلمين.

أما سعيد بن عثمان فقد غزا سمرقند عام ستة وخمسين /٦٧٥م، واستسلمت له المدينة صلحًا على أن تدفع سنويًا سبعمائة ألف درهم، ودخل بخارى وجدد الصلح مع ملكتها، وفتح مدينة ترمذ صلحًا، لكنها نقضت الصلح بعد ذلك إلى أن فتحها قتيبة بن مسلم، أما مسلم بن زياد فقد تولى خراسان في عهد يزيد بن معاوية وواجه في عام إحدى وستين/ ٦٨٠م، جيوش بخارى والصغد ، وقوات من تركستان الشرقية فانتصر عليهم وجدد الصلح مع بخارى وسمرقند ، واستمرت حملاته على المنطقة حتى وفاة يزيد ، وصراع الأمويين مع ابن الزبير إلى أن استقرت الأمور لعبد الملك بن مروان (٧٥- ٨٦هـ/٦٩٤- ٧٠٥م) فعين على خراسان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد الأموي، فقام بغزو ما وراء النهر فصالحه أهل بخارى، ثم فتح مدينة الختل للمرة الثانية بعد أن نقضت الصلح الذي سبق أن أبرمته مع سعيد بن عثمان.

وعندما وَلِىَ عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق وخراسان أسند ولاية خراسان إلى المهلب بن أبى صفرة، ففتح بعض المناطق فيما وراء النهر التي نقضت صلحها مع المسلمين، ثم فتح "خجندة" وغزا "كش"، و"نسف" وأدى إقليم الصغد الجِزْيَة المقررة، ثم مات المهلب بمدينة مرو بعد أن استخلف ابنه "يزيد" فأرسل بعض قواده إلى ما وراء النهر، وحقق المسلمون انتصارات كثيرة، وفتحوا العديد من المدن من بينها: مدينة ترمذ التي سبق أن فتحها المسلمون في عهد سعيد بن عثمان ثم انقضت عليهم.

والملاحظ أن هذه المرحلة الثانية من الفتوحات التي امتدت من عهد معاوية حتى نهاية حكم عبد الملك لم تشهد استقرارًا لفتوحات المسلمين في منطقة ما وراء النهر، وكانت هذه الجهود العسكرية غالبًا ما تنتهي بالصلح، ثم ينتهز ملوك ما وراء النهر فرصة أي اضطرابات في داخل الدولة الإسلامية لينقضوا هذا الصلح حتى جاءت المرحلة الثالثة التي تبدأ بعهد الوليد بن عبد الملك (٨٦- ٩٦ هـ/٧٠٥- ٧١٤م) وولاية "قتيبة ابن مسلم" على خراسان عام ست وثمانين للهجرة /٧٠٤م، وهذه المرحلة هي مرحلة الفتوحات المستقرة بعد أن تكونت لدى المسلمين الخبرة الكاملة بشئون هذا الإقليم جغرافيًا وبشريًا.