​لماذا يهتزّ البعض هذه الأيام حين تداعت عدن ونادت أبناءها، وأرادت أن تظهر بين الأمم؟ وهذا ليس غريبًا على عدن؛ لأنها سبقت تسميات كثيرة منذ ما قبل الميلاد، ومنذ أن عرف العالم الاستعمار، ثم في مراحل تصفيته أيضًا. كانت عدن ذات صيت كبير، ولها أدوار عديدة في مجرى التاريخ القديم والمعاصر.

لم يكن عيبًا أو خطأً جيوسياسيًا حين نادت عدن، في نهاية الخمسينيات وفي ظل تصارع التيارات التحررية، أن تطالب بنفسها واستقلالها. وحتى في فترة الاستعمار البريطاني أُعطيت ولاية لها استقلالها وإدارتها، وبفضلها هبّت رياح التمدّن على كل الجنوب.

من منا لا يتذكر دور عدن في حضرموت وتنظيم الموانئ والإدارة والبريد هناك، وكذا الجيش النظامي والمستشارية؟ وهذا معروف، كما هو معروف ما فعلته في أبين ولودر وأحور ولحج؛ كان لها التأثير الثقافي والسياسي والتغيير. اشتهرت عدن بنمو العمل الفكري المناوئ للاستعمار، وتحمل أبناؤها دورهم بكل نبل واقتدار، واحتضنت أبناء المحميات من أجل أن ترتقي اجتماعيًا وثقافيًا. ولم تكن عدن مجرد ولاية على رأس الجنوب كله، بل كانت الدينامو الذي تعلّمت منه كل الولايات والمحميات ما قبل 1967م. واعتُبرت إحدى مراكز الصحافة في الوطن العربي بعد القاهرة وبيروت ودمشق، وفيها نشأت الأفكار الثورية ومعارضة الحكم الإمامي البغيض في اليمن أيضًا.

وحين ارتفع صوت يقول إن «عدن للعدنيين» وطرح على البساط ونادى به البعض، كانت عدن تعجّ بأهلها العدنيين الذين أسسوها من مصر والشحر وتريم ودوعن ومن يافع وتعز وحتى الهند وغيرها، ممن جاء أجدادهم وسكنوا عدن بعد وجود ذلك الصياد العدني الأول الذي سكن ساحل صيرة وأقام مدينته الصامدة، التي خضعت لأطماع الأتراك والبرتغاليين والإسبان، وقبلهم الفرس والأحباش، ثم البريطانيين. ومع هذا استوعبت هذه المدينة، بأوجاعها، كل التحولات، وبقيت عدن للعدنيين.

وما أثار زعل هذه الدعوة في حينها ليس أنها ارتكبت خطأً جسيمًا، أبدًا، بل لأنها جاءت في وجه الاندفاع الثوري القومي الذي ارتكب التطرف في فهم هذه الدعوة. وبعد وحدة مصر وسوريا وما تلا ذلك من ارتفاع قومي عالي المستوى، كان لا بد أن يسقط أو ينهار أي تفكير لا يواكبه أو تيار يقف ضده، كما حصل وكان.

كان الأمر متعلقًا بمسألة الزمن والتوقيت آنذاك، وكل هذا ارتبط حتى بالأيديولوجيات المعاصرة حينها في أوروبا أيضًا، وكان مجال صراع بين القوميات والأمم والأقليات والجغرافيا، ولا يزال بعضه يظهر إلى اليوم. ولم تكن دعوة عدن أمس سيئة؛ كانت حوارًا ولفت انتباه، لكن لشدة ضيق الرأي وغيابه ذهب ضحيته حتى رجال من الجبهة القومية نفسها، وغابوا في لحظة. والأمر نفسه ينطبق على حضرموت، ليس من اليوم بل من الأمس؛ فهي صراعات وتباينات في أكثر من بلد ومكان.

لأبناء عدن وتاريخها الحق في تبنّي جبهة متحدة لهم، وإدارة تُعنى بهم فقراؤهم وأغنياؤهم وشبابهم. حتى بنات عدن، من شدة البطالة، أصبحن يفكرن في الهجرة، ناهيك عن الشباب، إذ لم تتح لهم فرصة السكن والعمل والزواج والتنفس. عانت عدن من سوء الانتهاكات للنظام في الجنوب، برغم بعض الإيجابيات، وحُرمت فيما بعد في ظل الوحدة التي حاصرت عدن وخنقت أبناءها وكفاءاتها.

إنهم ينهضون اليوم، ومن حقهم إقامة تجمع قوي متين، ولو يحقق تماسكهم ويجعل الصوت مسموعًا، وهذا يكفي. لقد حان وقت ذلك، وألا نُعيق النوايا. والله الموفق.