> عدن «الأيام» فردوس العلمي:
- روضة الصهاريج تدفع الثمن.. أطفال لا يدرسون سوى ساعتين يوميًا
مع اقتراب عام دراسي جديد، تتجدد آمال الطلاب وأولياء الأمور في بيئة تعليمية آمنة ومستقرة تساعد على بناء الأجيال وصناعة المستقبل. لكن هذه الآمال ما زالت تصطدم بواقع مؤلم تعيشه بعض مدارس العاصمة عدن، وفي مقدمتها مدرستا الضياء
والطويلة، اللتان لا تعانيان فقط من النزوح الطلابي، بل من نزوح إداري أيضًا، في مشهد يعكس حجم التحديات التي تواجه قطاع التعليم.
- عام دراسي جديد
القضية لم تعد مجرد أزمة مبانٍ مدرسية أو تأخر في مشاريع الترميم، بل أصبحت قضية تمس حق الأطفال في الحصول على تعليم آمن ومستقر، في وقت تؤكد فيه التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية أن التعليم حق أساسي لكل طفل.
وفي الوقت الذي تستعد فيه المدارس لاستقبال عام دراسي جديد، ما تزال مدرستا الضياء والطويلة تعيشان ظروفًا استثنائية، بينما يدفع أطفال روضة الصهاريج جزءًا من ثمن هذه الأزمة المستمرة منذ سنوات.
- أرقام تكشف حجم المعاناة
بحسب الإحصاءات المتوفرة، تضم مدرسة الضياء نحو 514 طالبًا من الصف الثالث حتى السادس الأساسي، ويشرف على تعليمهم 33 معلمًا، إلى جانب 27 من أفراد الطاقم الإداري.

ويواصل طلاب المدرسة دراستهم في مدرسة العيدروس، بعد نقلهم إليها منذ عام 2015، عقب تحويل مبنى مدرستهم إلى مستوصف صحي.
أما مدرسة الطويلة، فيبلغ عدد طلابها نحو 820 طالبًا من الصف الأول حتى التاسع، ويواصلون الدراسة في مبنى روضة الصهاريج، بعد سنوات طويلة من تأخر استكمال أعمال ترميم مدرستهم، ويضم طاقمها 16 إداريًا و5 حراس ومنظفين.
وبذلك يجد مئات الطلاب أنفسهم منذ سنوات خارج مباني مدارسهم الأصلية.
- مدرسة الطويلة.. أربعة عشر عامًا تحت «الترميم»
تشير التصريحات الرسمية إلى أن المدرسة ستفتح أبوابها هذا العام، لكن الواقع يؤكد أن العمل فيها لم يكتمل. وبحسب المعلومات المتوفرة، والنزول الميداني إلى المدرسة، لا تزال هناك أعمال ونواقص لم تُستكمل.

وكشفت المعاينة الميدانية أن المدرسة لا تزال تشهد أعمال بناء وتشطيب، وأن عددًا من المرافق الأساسية لم يكتمل تجهيزها، ومنها دورات المياه والمختبر والمقصف والمستودع، إضافة إلى سور المدرسة الذي يحتاج إلى رفع وتأمين، خصوصًا أن المدرسة مخصصة للبنات.
وتظهر الصور التي التُقطت خلال الزيارة وجود سقالات وأعمال تشطيب على واجهة المبنى، فيما تبدو داخل المدرسة أعمال مستمرة، ومواد بناء ومخلفات إنشائية.
أما دورات المياه، فتظهر في الصور وهي غير مكتملة وغير صالحة للاستخدام في وضعها الحالي، مع استمرار أعمال البناء ووجود مخلفات وأدوات ومواد إنشائية داخلها.

كما أن الساحة المدرسية لم تُجهز بعد، وتنتشر فيها أكوام من الأحجار ومخلفات البناء والمواد المستخدمة في أعمال الإنشاء.
وبحسب ما تم رصده، فإن المدرسة تعاني ضعفًا في الكهرباء، وتعتمد على كابل قديم، كما لا يوجد عداد للمياه. وتشير المعلومات التي جرى الحصول عليها إلى وجود تأخير في صرف مستحقات المقاول.
ومما لفت النظر في فصول الدور الأول وضع السبورة على ارتفاع كبير جدًا عن قامة المعلمين. كما أن ساحة المدرسة ترابية، وتوجد فيها كومة كبيرة من الأحجار.
إن إعادة فتح المدرسة لا ينبغي أن تكون مجرد قرار إداري، بل يجب أن تسبقها عملية تحقق من جاهزية المبنى وسلامته، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات البيئة التعليمية، إلى جانب توفير منظومة شمسية وعمل سقيفة تقي الطالبات أشعة الشمس.

تقول مديرة مدرسة الطويلة، افتكار عبدالله، إن مشروع ترميم المدرسة تعثر منذ أكثر من أربعة عشر عامًا، دون توضيح أسباب واضحة من الجهات المختصة.
وتضيف أن الدراسة داخل مبنى روضة أطفال أثرت سلبًا على العملية التعليمية، نتيجة ضيق الفصول وتقليص الزمن الدراسي، فضلًا عن غياب المختبرات والمكتبة وغرف الحاسوب، وهي مرافق أساسية لتحسين جودة التعليم.
وأكدت أن أبرز احتياجات المدرسة تتمثل في استكمال أعمال الترميم وإعادة المبنى إلى الخدمة بصورة عاجلة، حتى يتمكن الطلاب من العودة إلى بيئة تعليمية مناسبة.

وأشارت إلى وجود وعود بإعادة افتتاح المدرسة خلال العام الدراسي الجديد.
- هل العودة تعني عودة التعليم إلى طبيعته؟
وتقول إن من حق الطلاب العودة إلى مدرستهم في بيئة تعليمية مناسبة، والحصول على حقهم في التعليم بصورة طبيعية وكاملة، دون نقصان في ساعات الدراسة أو تأثر العملية التعليمية، خصوصًا أنهم يدرسون في مبنى ليس مخصصًا لهم.
وفي الوقت نفسه، تؤكد أن أي خطوة لإعادة فتح المدرسة ينبغي أن تراعي جاهزيتها من حيث البنية التحتية، وتوفير بيئة آمنة ومناسبة للطلاب والمعلمين، حتى تكون العودة بداية حقيقية لتحسين العملية التعليمية، وليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر.
- روضة الصهاريج.. الضحية المنسية
وتقول مديرة الروضة، دنيا علي أمان، إن مشاركة الروضة مبناها مع مدرسة الطويلة منذ نحو ثلاثة عشر عامًا أجبرت إدارة الروضة على تقليص اليوم الدراسي للأطفال إلى ساعتين فقط.
وتوضح أن طفل الروضة يحتاج إلى وقت كافٍ للتعلم واللعب والحركة وممارسة الأنشطة الفنية والثقافية، إلا أن ضيق الوقت حرم الأطفال من جزء كبير من حقوقهم التعليمية.
كما أشارت إلى أن استبدال أثاث الروضة بأثاث مدرسي لا يتناسب مع أعمار الأطفال أثر بدوره في البيئة التعليمية.
ورغم هذه الظروف، تؤكد مديرة الروضة أن الإدارة والمربيات يواصلن أداء رسالتهن بكل إخلاص، ويحرصن على إشراك الأطفال في مختلف الأنشطة والفعاليات.
- مدرسة الضياء.. من مدرسة إلى مركز طبي
تعود قصة مدرسة الضياء إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث تأسست كمدرسة ملحقة بمسجد الضياء، وتُعد، بحسب الوثائق الرسمية التي حصل عليها التحقيق، وقفًا من التاجر محمد عثمان ثابت، وهي مقيدة في سجلات الأوقاف كمدرسة.

ولم تكن مطالبة إدارة المدرسة باستعادة المبنى مجرد مطالبة إدارية، إذ تستند إلى عدد من الوثائق والمذكرات الرسمية التي تناولت الوضع القانوني والوقفي للمبنى، وطالبت بإعادته إلى وظيفته التعليمية.
- الحرب غيّرت وظيفة المدرسة
وبحسب إفادة صادرة عن الشؤون القانونية بديوان محافظة عدن، فإن استخدام المبنى كمركز طبي جاء في ظل تلك الظروف الاستثنائية.
غير أن الإفادة أوضحت أن استمرار استخدام المبنى بعد انتهاء الحرب لم يعد مبررًا، خاصة مع عودة المرافق الصحية الحكومية إلى العمل.
كما أشارت الإفادة إلى أن مبنى مدرسة الضياء وقف تابع لمسجد الضياء، وأن إعادته إلى وظيفته الأصلية كمدرسة تتفق مع وضعه الوقفي، وتحافظ على حق الأطفال في التعليم.
- ماذا تقول الوثائق الرسمية عن وضع المدرسة؟
كما تستند المذكرة إلى المادة (62)، التي تتناول حالة اغتصاب الوقف وضرورة استرجاعه وإعادته. وتشير كذلك إلى المادة (63)، التي تنص على عدم جواز البسط على الوقف من أي شخص أو جهة إلا بإذن المتولي.
أما المادة (65)، فتتعلق بوجوب تنفيذ شروط الواقف والتقيد بها زمانًا ومكانًا، في حين تشير المادة (67) إلى وجوب استغلال عين الوقف وإدارتها واستعمالها فيما أُعدت له.
وتكتسب هذه المواد أهمية خاصة في قضية مدرسة الضياء، باعتبار أن الوثائق الرسمية التي حصل عليها التحقيق تصف المبنى بأنه وقف مخصص كمدرسة، ما يجعل المطالبة بإعادته إلى وظيفته التعليمية مرتبطة، بحسب تلك الوثائق، بالحفاظ على الغرض الذي أُوقف المبنى من أجله.
- قرارات ومذكرات.. ولكن دون تنفيذ
وتقول مديرة مدرسة الضياء، صبيحة موسى، إن المدرسة قدمت مبناها «بطيب خاطر» لإنقاذ جرحى الحرب، وكان الأمر بصورة مؤقتة، إلا أن الجزاء كان رفض الخروج منها، رغم القرارات الصادرة والإفادات القانونية التي تؤكد ضرورة إعادة المبنى.
وفي ديسمبر 2016، أقر مجلس الخدمات، خلال اجتماعه، تكليف مأمور مديرية صيرة باتخاذ الترتيبات اللازمة لاستعادة مدرسة الضياء الكائنة في منطقة شعب العيدروس، والتنسيق مع مكتب التربية والتعليم ومكتب الصحة والسكان. لكن عملية الاستعادة لم تتم حتى اليوم.
كما توجد مذكرة صادرة عن أمن شرطة عدن في عام 2016، وموجهة إلى محافظ عدن، أشارت إلى استمرار اقتحام عدد من المرافق التربوية، وطالبت باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإخراج الموجودين منها، ومن بينها مدرسة الضياء التي تحولت إلى مستوصف.
وتشير الوثائق التي بحوزة التحقيق إلى وجود مذكرات أخرى من الجهات المختصة، بينها مكتب الأوقاف والإرشاد، تطالب بالحفاظ على المبنى باعتباره وقفًا مخصصًا للتعليم، وعدم تغيير وظيفته.
كما تضمنت إحدى المذكرات المقدمة من مكتب التربية والتعليم التأكيد على أن مبنى مدرسة الضياء موقوف كمدرسة، وأن تغيير وظيفته لا يتفق مع الغرض الذي أُوقف من أجله، مطالبة بإعادته إلى دوره التعليمي.
وطالبت المذكرات كذلك بإخلاء المبنى وإعادة استخدامه كصرح تعليمي وفق الغرض الذي أُوقف من أجله.
- استعادة هيبة التعليم
في المقابل، أكد وزير التربية والتعليم عادل العبادي وجود حراك لاستعادة هيبة التعليم وتعزيز دوره، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل على بناء وإعادة تأهيل عدد من المدارس، إلى جانب مشروع لترميم 105 مدارس، وإضافة فصول دراسية في عدد من المدارس، فضلًا عن إضافة فصول إلى 11 روضة.
وأكد وزير التربية أن التعليم يمثل القضية الأولى، مشددًا على أهمية البدء من عدن للنهوض بالعملية التعليمية، باعتبارها تعرضت خلال السنوات الماضية للإهمال والظروف الصعبة.
- سنوات من الانتظار.. وحق لا يحتمل التأجيل
لا تتحدث هذه القضية عن مبنيين مدرسيين فقط، بل عن مئات الطلاب والأسر الذين ينتظرون العودة إلى مدارسهم، وعن أطفال في روضة اضطروا إلى تقليص يومهم الدراسي إلى ساعتين فقط لسنوات طويلة.

فطلاب مدرسة الطويلة ينتظرون استكمال مدرستهم بعد أكثر من عقد من النزوح، وطلاب الضياء يواصلون دراستهم بعيدًا عن مبناهم الأصلي، بينما أطفال روضة الصهاريج يدفعون جزءًا من ثمن أزمة لم يكونوا طرفًا فيها.
إن إعادة فتح المدارس لا ينبغي أن تكون مجرد إعلان أو وعد، بل يجب أن ترتبط بجاهزية حقيقية للمبنى، وتوفير بيئة آمنة ومناسبة للطلاب والمعلمين، وضمان عودة العملية التعليمية إلى طبيعتها.
أما مدرسة الضياء، فإن الوثائق والمذكرات الرسمية التي حصل عليها التحقيق تضع الجهات المعنية أمام مسؤولية حسم وضع المبنى، بما يراعي حق الطلاب في التعليم، ويحافظ في الوقت نفسه على الوضع القانوني والوقفي للمبنى.
بعد سنوات من الانتظار، لا يحتاج طلاب الضياء والطويلة إلى وعود جديدة بقدر حاجتهم إلى مدارس مكتملة وآمنة يستطيعون العودة إليها دون أن يحملوا معهم هاجس البناء أو نقص الخدمات.
فالمدرسة ليست جدرانًا وسقفًا فقط، وليست مجرد مبنى يُفتتح في موعد محدد، وإنما بيئة متكاملة تحفظ للطالب حقه في التعليم والأمان والكرامة.
















