> "الأيام" العربي الجديد:

حذر تقرير بحثي من "تحول مقلق" في إدارة الصراعات الدولية، المتمثل في الانتقال من السعي إلى تسويات سياسية شاملة إلى الاكتفاء بإدارة الأزمات واحتوائها مؤقتا، وذلك في وقت يشهد العالم أعلى معدلات النزاعات المسلحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وجاء التحذير في "تقرير الوساطة العالمي 2026" الصادر عن مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني، والذي أُعلن الخميس في الدوحة. وخلص التقرير إلى أن النظام الدولي القائم على القانون والتعددية "يشهد تآكلًا تدريجيًا، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وعودة منطق القوة العسكرية إلى واجهة العلاقات الدولية".

وقال مدير مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني غسان الكحلوت، خلال إطلاق التقرير، الذي أعده الباحثون إليكس دو وال، ودان سميث، وسارة هيلمولر، وساهم في تحريره الباحث شون ديلي، إن التقرير ركز على أربعة محاور رئيسية:
  1. السياق الدولي المتحول الذي تعمل فيه الوساطة.
  2. ممارسة الوساطة في النزاعات عالية الكلفة.
  3. أدوار الوسطاء التقليديين وغير التقليديين.
  4. اتجاهات الوساطة في ظل نظام دولي أكثر تفككا.
وأشار التقرير إلى أن "النموذج التقليدي للوساطة القائم على اتفاقيات سياسية شاملة مدعومة بإجماع دولي بات في تراجع واضح، وأصبح التركيز ينصبّ على وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، وترتيبات مؤقتة قصيرة الأجل بدلا من معالجة جذور الصراع"، مبينًا أن "هذا التحول نحو ما يُعرف بالوساطة التبادلية يقلل من فرص الوصول إلى سلام دائم، ويزيد من احتمال تجدد العنف بعد فترات هدوء مؤقتة".

وربط التقرير هذا الاتجاه بـ"تراجع الالتزام بالمعايير الأساسية التي حكمت العلاقات الدولية منذ منتصف القرن الماضي، وعلى رأسها احترام سيادة الدول وحماية المدنيين".

وفي تحليله لحالتي سورية وإسرائيل- فلسطين، يخلص التقرير إلى أن "أولوية الحلول السياسية تراجعت لمصلحة الرهان على الحسم العسكري أو إدارة الصراع بدل حله". ففي سورية، تراجعت فعالية المسار الذي رعته الأمم المتحدة لمصلحة قوى إقليمية ودولية، بينما تقلصت في القضية الفلسطينية فرص التفاوض السياسي خلال العقد الأخير، ما أدى إلى تطبيع حالة الصراع المزمن، بحسب ما جاء في التقرير.

ولا يقتصر هذا النمط على الشرق الأوسط، إذ يرصد التقرير مؤشرات مشابهة في نزاعات أخرى من اليمن إلى أوكرانيا والسودان، حيث يتم احتواء الأزمات بدل تفكيك أسبابها البنيوية.

وتوقف تقرير مركز النزاعات والعمل الإنساني عند تجربة السودان، بوصفها مثالًا على هشاشة الاتفاقيات التي لا ترافقها مكاسب اقتصادية ملموسة للسكان.

ويقول: "بعد ثورة 2019، عجزت الحكومة المدنية عن توفير الاستقرار الاقتصادي في ظل ضعف الموارد وغياب الدعم الدولي الكافي، ما أضعف المرحلة الانتقالية ومهّد لانهيارها، كما أدى تدخل أطراف إقليمية ذات مصالح أمنية واقتصادية إلى تحويل بعض اتفاقيات السلام إلى صفقات قصيرة الأمد، تركز على موازين القوى لا على بناء مؤسسات دائمة".

وأكد تقرير "الوساطة العالمي 2026"، أن أي اتفاق سياسي لا يحقق "عائد سلام حقيقي" للمواطنين عبر تحسين الخدمات والاقتصاد والأمن يظل عرضة للانهيار، كما أشار التقرير إلى بروز دور قطر وعمان وسيطين إقليميين يعتمدان على مقاربات مرنة وبراغماتية في إدارة النزاعات.

ويعكس هذا التحول "انتقال العالم نحو نظام دولي أكثر تعددية، تتراجع فيه الهيمنة الأحادية لمصلحة شبكات وساطة متنوعة"، كما يورد التقرير، غيّر أنّه يشدد في الوقت ذاته على أن "هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق سلام طويل الأمد ما لم تُدعَم بإطار قانوني دولي واضح".

وأشارت البيانات التي استند إليها التقرير إلى وجود 61 نزاعًا مسلحًا نشطًا وفق المعايير التقليدية، و177 حالة عنف منظم خلال عام 2024. وفي الوقت نفسه، انخفض متوسط اتفاقيات السلام المسجلة سنويًا من نحو 100 اتفاق في عقد 2010 إلى نحو خمس اتفاقيات فقط سنويًا في السنوات الأخيرة.

ورأى معدّو التقرير أن "المشكلة لا تكمن في نقص الخبرة أو أدوات الوساطة، إذ يمتلك المجتمع الدولي ترسانة واسعة من الآليات المتراكمة منذ نهاية الحرب الباردة، تشمل إشراك المجتمعات المحلية، وتمكين المرأة، والإصلاح المؤسسي، وآليات التمويل، غير أن البيئة الجيوسياسية الراهنة غير مواتية لتفعيل هذه الأدوات بفعالية".

وحذر التقرير من مخاوف عودة سباق التسلح بين الولايات المتحدة وروسيا، في ظل غياب إطار ثنائي واضح يبين مستقبل الحد من الأسلحة النووية، فضلا عن أن النقاش حول احتمال انضمام دول جديدة إلى النادي النووي أصبح أكثر علنية، خصوصًا في شمال شرق آسيا وأجزاء من أوروبا.

كما بلغ الإنفاق العسكري العالمي- وفق التقرير- نحو 2.7 تريليون دولار، وهو أعلى مستوى تاريخي، مع عشر سنوات متتالية من الزيادات، ما يعكس تصاعد منطق الردع العسكري على حساب الدبلوماسية الوقائية.

ولا يقتصر التراجع على النزاعات المسلحة، بل يمتد إلى عجز واضح في التعامل مع الأزمات البيئية العالمية، من تغيّر المناخ إلى فقدان التنوع البيولوجي والتلوث، بحسب التقرير.

ويخلص التقرير إلى أن هذه المؤشرات تعكس أزمة أعمق في فاعلية النظام الدولي، الذي لم يعد قادرًا بالدرجة نفسها على فرض المعايير أو ضمان الالتزام بها.

ورغم الصورة القاتمة، يختتم تقرير الوساطة لعام 2026 بنبرة حذرة من التفاؤل، إذ إن "التاريخ أثبت أن الفترات المضطربة لا تسير دائمًا في خط انحدار مستمر.

في ثلاثينيات القرن الماضي، كان من الصعب تصور نشوء منظومة دولية جديدة مثل الأمم المتحدة، أو اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية.

أما اليوم، فالتحدي يتمثل في إعادة بناء التعاون الدولي وتعزيز القانون الدولي دون الانتظار لوقوع كارثة عالمية كبرى". وخلص التقرير إلى أن "أدوات السلام والخبرة اللازمة متوافرة، لكن ما ينقص هو الإرادة السياسية الجامعة.

 وأن المعركة الحقيقية ليست تقنية أو مؤسسية، بل قرار سياسي صعب يوازن بين منطق القوة ومنطق القانون".