> محمد الصالحين الهوني:
اليمن لم يعد مجرد بلد تخاض حربًا على أرضه، بل موقعًا تتقاطع فيه خطوط الصراع الإقليمي مع المصالح الاستراتيجية للاقتصاد العالمي. من سواحل الحديدة إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى قناة السويس، ومن أمن الخليج إلى أمن الطاقة، لم تعد التطورات اليمنية قابلة للفصل عن النظام الدولي الأوسع.
البلد الذي ظل طويلًا على هامش حسابات القوى الكبرى أصبح يمتلك، بحكم الجغرافيا أولًا ثم بحكم تطور قدرات الحوثيين وتحالفاتهم، قدرة على التأثير في التجارة العالمية وأمن الملاحة والطاقة.
لقد أصبح اليمن عقدة. والعقدة هنا ليست عسكرية فقط، بل جغرافية واقتصادية وسياسية.
فباب المندب ليس مجرد مضيق يقع على الخريطة اليمنية. إنه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والبحر الأحمر هو الطريق الذي يصل المحيط الهندي بالمتوسط عبر قناة السويس. ولذلك فإن أي اضطراب مستدام في باب المندب لا يبقى داخل اليمن، بل ينتقل بسرعة إلى شركات الشحن والموانئ والتأمين وأسعار السلع والطاقة وسلاسل الإمداد.
واليوم، تبدو المسألة أكثر خطورة لأن البحر الأحمر لم يعد يعمل كملف منفصل عن الخليج. وهنا تظهر أهمية اليمن الجديدة. إيران لا تحتاج إلى السيطرة على اليمن كله كي تستفيد من موقعه.
يكفي أن يكون هناك طرف مسلح قادر على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم حتى تتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط استراتيجية. وهذه إحدى أهم التحولات التي أحدثتها الحرب: لم يعد النفوذ يُقاس فقط بعدد المدن التي تسيطر عليها جماعة مسلحة، وإنما بقدرتها على التأثير في حركة العالم من حولها.
وهذا تحديدًا ما يجعل الحوثيين مختلفين عن كثير من أطراف الحروب الأهلية التقليدية.
فالجماعة لا تسيطر على جزء كبير من شمال اليمن فحسب، بل تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة وقدرات تسمح لها بتهديد أهداف بعيدة نسبيًا، كما أثبتت قدرتها على استهداف السفن في البحر الأحمر وعلى إدخال العامل البحري في الصراع الإقليمي.
ومن هنا، لم تعد الحرب اليمنية حربًا على السلطة داخل اليمن وحده. لقد أصبحت حربًا تهدف للتأثير في ملفات أكبر من اليمن. وهذا يقود إلى إيران.
لطالما نظرت طهران إلى شبكة حلفائها الإقليميين باعتبارها جزءًا من منظومة ردع أوسع. وفي الحالة اليمنية، يمنحها الحوثيون شيئًا لا تمنحه جبهات أخرى بالدرجة نفسها: القدرة على الضغط على الطريق البحري الممتد من المحيط الهندي إلى قناة السويس.
ليس من الضروري أن تكون هناك “غرفة عمليات واحدة” تدير كل هذه الجبهات حتى تصبح الجغرافيا ذات قيمة استراتيجية لطهران. يكفي أن تمتلك شبكة من الشركاء القادرين على رفع تكلفة الخصوم في أكثر من مسرح في الوقت نفسه.
لكن اختزال الحوثيين في أنهم مجرد “أداة إيرانية” سيكون أيضًا تبسيطًا مخلًا. فالجماعة لها مشروعها المحلي، وحساباتها اليمنية، وقاعدتها الاجتماعية والسياسية، ومصالحها الخاصة.
الأدق هو القول إن المصالح الإيرانية والحوثية تتداخل في بعض الملفات الاستراتيجية. وهنا تدخل إسرائيل إلى المعادلة.
منذ حرب غزة، أعلن الحوثيون أنهم يستهدفون سفنًا مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إليها، ثم تطورت المواجهة إلى إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل نفسها.
وفي يونيو 2026، أعلن الحوثيون حظرًا على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، في سياق اتساع الحرب الإقليمية مع إيران.
وهكذا أصبح اليمن، بطريقة لم يكن أحد يتصورها قبل سنوات، جبهة في الصراع الإسرائيلي–الإيراني. وهذه نقطة جوهرية لفهم التحول.
فإسرائيل موجودة على البحر المتوسط، وإيران على الخليج، والحوثيون في جنوب البحر الأحمر. وبين هذه المواقع تمتد شبكة بحرية واحدة. لذلك فإن الصراع لم يعد محصورًا في الحدود التقليدية للدول، بل أصبح يتحرك عبر الممرات.
وهنا أيضًا تتغير وظيفة البحر.. في الماضي كان البحر طريقًا للتجارة. أما في الحروب الجديدة، فقد أصبح البحر نفسه سلاحًا جيوسياسيًا.
من يستطيع تهديد السفن لا يحتاج إلى إغلاق قناة السويس كي يؤثر فيها. يكفي أن يرفع مستوى المخاطر إلى درجة تجعل شركات الشحن تفضل طريقًا أطول وأكثر تكلفة.
وفي ظل اضطرابات هرمز، تصبح قيمة باب المندب أكبر. ولهذا فإن أي تهديد مستدام للملاحة في البحر الأحمر يمكن أن يتحول من مشكلة أمنية إلى مشكلة في أسواق الطاقة.
وهنا تتضح حقيقة أخرى: أهمية اليمن ليست في ما ينتجه، بل في ما يمر بجواره.
بلد يعاني من الفقر والجوع والانهيار الاقتصادي يمتلك موقعًا يجعل القوى الكبرى عاجزة عن تجاهله. لكن هذا الموقع نفسه قد يصبح لعنة إذا تحول إلى ساحة دائمة للصراع.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: العالم ينظر إلى اليمن باعتباره خطرًا على التجارة الدولية، بينما ينظر اليمنيون إلى بلدهم باعتباره بلدًا يحتاج إلى الغذاء والدواء والوظائف والسلام.
وهذا الاختلاف في زاوية النظر هو أحد أسباب فشل المقاربات الدولية السابقة.
فإذا أصبح اليمن مهمًا للعالم فقط عندما تهدد الصواريخ سفينة، فإن المجتمع الدولي سيظل يعالج الأعراض لا المرض. والنتيجة ستكون إعادة إنتاج الدورة نفسها.
الخطر الأكبر أن يتحول اليمن من دولة تبحث عن السلام إلى منصة دائمة لإدارة الصراعات الدولية.
فالولايات المتحدة معنية بحرية الملاحة وأمن حلفائها. والسعودية معنية بأمن حدودها وصادراتها ومنشآتها. وإسرائيل معنية بمنع تحول البحر الأحمر إلى جبهة استراتيجية ضدها. ومصر معنية مباشرة بأمن قناة السويس. وأوروبا معنية بتدفق التجارة والطاقة. والصين معنية باستقرار طرقها التجارية. وإيران معنية بتعزيز قدرتها على الردع ورفع كلفة الضغط عليها.
وكل هذه المصالح تلتقي في نقطة واحدة: اليمن.
لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من ينتصر في الحرب اليمنية؟ السؤال هو: هل يمكن إنهاء الحرب اليمنية قبل أن تصبح جزءًا دائمًا من بنية الأمن الدولي؟
والإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من الاعتراف بأن الحل العسكري وحده لن يكون كافيًا.
وفي الوقت نفسه، فإن ترك الوضع على حاله يعني السماح بتحول باب المندب إلى رهينة دائمة للتوازنات الإقليمية.
المطلوب إذن ليس فقط اتفاق سلام بين اليمنيين، بل تسوية تعيد تعريف علاقة اليمن بمحيطه.
يحتاج اليمن إلى دولة قادرة على احتكار السلاح. ويحتاج إلى إعادة إعمار واسعة. والأهم أن اليمن يحتاج إلى أن يستعيد موقعه الطبيعي: دولة على باب المندب، لا بوابة لحرب الآخرين.
رئيس تحرير صحيفة العرب اللندنية
البلد الذي ظل طويلًا على هامش حسابات القوى الكبرى أصبح يمتلك، بحكم الجغرافيا أولًا ثم بحكم تطور قدرات الحوثيين وتحالفاتهم، قدرة على التأثير في التجارة العالمية وأمن الملاحة والطاقة.
لقد أصبح اليمن عقدة. والعقدة هنا ليست عسكرية فقط، بل جغرافية واقتصادية وسياسية.
فباب المندب ليس مجرد مضيق يقع على الخريطة اليمنية. إنه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والبحر الأحمر هو الطريق الذي يصل المحيط الهندي بالمتوسط عبر قناة السويس. ولذلك فإن أي اضطراب مستدام في باب المندب لا يبقى داخل اليمن، بل ينتقل بسرعة إلى شركات الشحن والموانئ والتأمين وأسعار السلع والطاقة وسلاسل الإمداد.
واليوم، تبدو المسألة أكثر خطورة لأن البحر الأحمر لم يعد يعمل كملف منفصل عن الخليج. وهنا تظهر أهمية اليمن الجديدة. إيران لا تحتاج إلى السيطرة على اليمن كله كي تستفيد من موقعه.
يكفي أن يكون هناك طرف مسلح قادر على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم حتى تتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط استراتيجية. وهذه إحدى أهم التحولات التي أحدثتها الحرب: لم يعد النفوذ يُقاس فقط بعدد المدن التي تسيطر عليها جماعة مسلحة، وإنما بقدرتها على التأثير في حركة العالم من حولها.
وهذا تحديدًا ما يجعل الحوثيين مختلفين عن كثير من أطراف الحروب الأهلية التقليدية.
فالجماعة لا تسيطر على جزء كبير من شمال اليمن فحسب، بل تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة وقدرات تسمح لها بتهديد أهداف بعيدة نسبيًا، كما أثبتت قدرتها على استهداف السفن في البحر الأحمر وعلى إدخال العامل البحري في الصراع الإقليمي.
ومن هنا، لم تعد الحرب اليمنية حربًا على السلطة داخل اليمن وحده. لقد أصبحت حربًا تهدف للتأثير في ملفات أكبر من اليمن. وهذا يقود إلى إيران.
لطالما نظرت طهران إلى شبكة حلفائها الإقليميين باعتبارها جزءًا من منظومة ردع أوسع. وفي الحالة اليمنية، يمنحها الحوثيون شيئًا لا تمنحه جبهات أخرى بالدرجة نفسها: القدرة على الضغط على الطريق البحري الممتد من المحيط الهندي إلى قناة السويس.
ليس من الضروري أن تكون هناك “غرفة عمليات واحدة” تدير كل هذه الجبهات حتى تصبح الجغرافيا ذات قيمة استراتيجية لطهران. يكفي أن تمتلك شبكة من الشركاء القادرين على رفع تكلفة الخصوم في أكثر من مسرح في الوقت نفسه.
لكن اختزال الحوثيين في أنهم مجرد “أداة إيرانية” سيكون أيضًا تبسيطًا مخلًا. فالجماعة لها مشروعها المحلي، وحساباتها اليمنية، وقاعدتها الاجتماعية والسياسية، ومصالحها الخاصة.
الأدق هو القول إن المصالح الإيرانية والحوثية تتداخل في بعض الملفات الاستراتيجية. وهنا تدخل إسرائيل إلى المعادلة.
منذ حرب غزة، أعلن الحوثيون أنهم يستهدفون سفنًا مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إليها، ثم تطورت المواجهة إلى إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل نفسها.
وفي يونيو 2026، أعلن الحوثيون حظرًا على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، في سياق اتساع الحرب الإقليمية مع إيران.
وهكذا أصبح اليمن، بطريقة لم يكن أحد يتصورها قبل سنوات، جبهة في الصراع الإسرائيلي–الإيراني. وهذه نقطة جوهرية لفهم التحول.
فإسرائيل موجودة على البحر المتوسط، وإيران على الخليج، والحوثيون في جنوب البحر الأحمر. وبين هذه المواقع تمتد شبكة بحرية واحدة. لذلك فإن الصراع لم يعد محصورًا في الحدود التقليدية للدول، بل أصبح يتحرك عبر الممرات.
وهنا أيضًا تتغير وظيفة البحر.. في الماضي كان البحر طريقًا للتجارة. أما في الحروب الجديدة، فقد أصبح البحر نفسه سلاحًا جيوسياسيًا.
من يستطيع تهديد السفن لا يحتاج إلى إغلاق قناة السويس كي يؤثر فيها. يكفي أن يرفع مستوى المخاطر إلى درجة تجعل شركات الشحن تفضل طريقًا أطول وأكثر تكلفة.
وفي ظل اضطرابات هرمز، تصبح قيمة باب المندب أكبر. ولهذا فإن أي تهديد مستدام للملاحة في البحر الأحمر يمكن أن يتحول من مشكلة أمنية إلى مشكلة في أسواق الطاقة.
وهنا تتضح حقيقة أخرى: أهمية اليمن ليست في ما ينتجه، بل في ما يمر بجواره.
بلد يعاني من الفقر والجوع والانهيار الاقتصادي يمتلك موقعًا يجعل القوى الكبرى عاجزة عن تجاهله. لكن هذا الموقع نفسه قد يصبح لعنة إذا تحول إلى ساحة دائمة للصراع.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: العالم ينظر إلى اليمن باعتباره خطرًا على التجارة الدولية، بينما ينظر اليمنيون إلى بلدهم باعتباره بلدًا يحتاج إلى الغذاء والدواء والوظائف والسلام.
وهذا الاختلاف في زاوية النظر هو أحد أسباب فشل المقاربات الدولية السابقة.
فإذا أصبح اليمن مهمًا للعالم فقط عندما تهدد الصواريخ سفينة، فإن المجتمع الدولي سيظل يعالج الأعراض لا المرض. والنتيجة ستكون إعادة إنتاج الدورة نفسها.
الخطر الأكبر أن يتحول اليمن من دولة تبحث عن السلام إلى منصة دائمة لإدارة الصراعات الدولية.
فالولايات المتحدة معنية بحرية الملاحة وأمن حلفائها. والسعودية معنية بأمن حدودها وصادراتها ومنشآتها. وإسرائيل معنية بمنع تحول البحر الأحمر إلى جبهة استراتيجية ضدها. ومصر معنية مباشرة بأمن قناة السويس. وأوروبا معنية بتدفق التجارة والطاقة. والصين معنية باستقرار طرقها التجارية. وإيران معنية بتعزيز قدرتها على الردع ورفع كلفة الضغط عليها.
وكل هذه المصالح تلتقي في نقطة واحدة: اليمن.
لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من ينتصر في الحرب اليمنية؟ السؤال هو: هل يمكن إنهاء الحرب اليمنية قبل أن تصبح جزءًا دائمًا من بنية الأمن الدولي؟
والإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من الاعتراف بأن الحل العسكري وحده لن يكون كافيًا.
وفي الوقت نفسه، فإن ترك الوضع على حاله يعني السماح بتحول باب المندب إلى رهينة دائمة للتوازنات الإقليمية.
المطلوب إذن ليس فقط اتفاق سلام بين اليمنيين، بل تسوية تعيد تعريف علاقة اليمن بمحيطه.
يحتاج اليمن إلى دولة قادرة على احتكار السلاح. ويحتاج إلى إعادة إعمار واسعة. والأهم أن اليمن يحتاج إلى أن يستعيد موقعه الطبيعي: دولة على باب المندب، لا بوابة لحرب الآخرين.
رئيس تحرير صحيفة العرب اللندنية













