في مقاله المعنون “الحكاية حين يرويها الآخرون”، يطرح الدكتور أحمد عبد اللاه إشكالية في غاية الأهمية: إشكالية السردية، ومن يملك صياغتها، وكيف يمكن أن تتحول بعض الأصوات – بقصد أو بغير قصد – إلى جزء من رواية الخصوم.
لا خلاف على أن معركة اليوم هي معركة معنى بقدر ما هي معركة موقف سياسي. ولا خلاف أيضًا على أن اختلال ميزان القوة الإعلامية يضعف قدرة أي طرف على إيصال روايته. غير أن الإشكال يبدأ حين يُختزل النقد الداخلي في كونه “إعادة إنتاج لرواية الخصم”، أو حين يُنظر إلى كل مراجعة باعتبارها طعنًا في القضية ذاتها.
السردية لا تُحمى بإغلاق المجال أمام الأسئلة، بل بتوسيع دائرة النقاش. فالقضية التي تخشى النقد، تتحول تدريجيًّا إلى خطاب تعبوي هشّ، لا يصمد أمام أول اختبار جدي. أما القضية التي تسمح بمراجعة أدواتها، وخياراتها، وتحالفاتها، فهي التي تملك فرصة البقاء.
من الخطير – سياسيًّا وأخلاقيًّا – أن نساوي بين كشف الخطأ وخدمة الخصم. فالتاريخ السياسي الحديث، في اليمن وخارجه، يُظهر أن الانكسارات الكبرى لم تكن نتيجة نقد داخلي، بل نتيجة غياب ذلك النقد، وتراكم الأخطاء دون مساءلة.
نعم، هناك اختلال في البيئة الإعلامية، وهناك روايات متعددة تسعى إلى تفسير ما يجري وفق مصالحها. لكن السؤال الأهم: لماذا تجد بعض تلك الروايات مادةً جاهزة تستند إليها؟ هل لأن النقد هو المشكلة؟ أم لأن الوقائع نفسها تحتاج إلى مراجعة شجاعة؟
السردية القوية لا تقوم على الإنكار، ولا على تجميل الواقع، بل على الاعتراف المركّب: ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ وأين أخطأنا في إدارة التحالفات؟ وأين أضعنا البوصلة بين الهدف والوسيلة؟
الحديث عن أن القضية “بلغت أقوى مراحلها وكانت على مقربة من لحظة مفصلية” يستحق هو الآخر نقاشًا موضوعيًّا. فالمعيار في السياسة ليس الشعور بالقوة، بل ترجمة تلك القوة إلى مكاسب مستدامة، وإلى مؤسسات، وإلى اعتراف سياسي وقانوني متراكم. أما الاكتفاء بإرجاع التعثر إلى “تعقيدات خارجية”، فيُبقي الذات خارج دائرة المساءلة.
التدخلات الخارجية حقيقة لا يمكن إنكارها في المشهد اليمني، لكن تحميلها كامل المسؤولية يختزل المشهد ويُغفل جانبًا من الحقيقة. السياسة فن إدارة التعقيد، لا فن الشكوى منه.
أما مسألة “الاتزان”، فهي مطلوبة بلا شك، لكن الاتزان لا يعني الصمت، ولا يعني تأجيل الأسئلة إلى أجل غير مسمى. الاتزان الحقيقي هو القدرة على الجمع بين الدفاع عن القضية، والاعتراف بأخطائها، والسعي لتصحيح مسارها دون خوف من الاتهام أو التخوين.
القضايا الكبرى لا تُدار بالانفعالات، صحيح. لكنها أيضًا لا تُدار بالمجاملات ولا بالمراهنة الدائمة على “عودة قريبة” دون مراجعة عميقة لما حدث. فالزمن السياسي طويل، نعم، لكنه لا يرحم من يكرر الأخطاء نفسها تحت عناوين مختلفة.
الحياة مستمرة، كما يقول الكاتب، والقيادات باقية في المشهد. لكن بقاء القيادات لا يعني بالضرورة بقاء الأساليب نفسها. فالتجربة لا تُقاس بمدة الحضور، بل بقدرتها على التطور وإعادة تعريف ذاتها في ضوء المتغيرات.
في النهاية، ليست المشكلة في “من يروي الحكاية”، بل في مدى صدق الحكاية مع نفسها. فحين تكون الرواية متماسكة، شفافة، وقابلة للنقد، يصعب على الخصوم اختطافها. أما حين تُرفع إلى مرتبة المقدس، فإنها تترك فراغًا يملأه الآخرون.
المعركة الحقيقية ليست بين سرديتين فحسب، بل بين ثقافتين: ثقافة ترى في النقد خطرًا، وثقافة تراه شرطًا للبقاء.
والتاريخ – في خاتمته – لا يكتبه من يملك الصوت الأعلى، بل من يملك القدرة على التعلم.
لا خلاف على أن معركة اليوم هي معركة معنى بقدر ما هي معركة موقف سياسي. ولا خلاف أيضًا على أن اختلال ميزان القوة الإعلامية يضعف قدرة أي طرف على إيصال روايته. غير أن الإشكال يبدأ حين يُختزل النقد الداخلي في كونه “إعادة إنتاج لرواية الخصم”، أو حين يُنظر إلى كل مراجعة باعتبارها طعنًا في القضية ذاتها.
السردية لا تُحمى بإغلاق المجال أمام الأسئلة، بل بتوسيع دائرة النقاش. فالقضية التي تخشى النقد، تتحول تدريجيًّا إلى خطاب تعبوي هشّ، لا يصمد أمام أول اختبار جدي. أما القضية التي تسمح بمراجعة أدواتها، وخياراتها، وتحالفاتها، فهي التي تملك فرصة البقاء.
من الخطير – سياسيًّا وأخلاقيًّا – أن نساوي بين كشف الخطأ وخدمة الخصم. فالتاريخ السياسي الحديث، في اليمن وخارجه، يُظهر أن الانكسارات الكبرى لم تكن نتيجة نقد داخلي، بل نتيجة غياب ذلك النقد، وتراكم الأخطاء دون مساءلة.
نعم، هناك اختلال في البيئة الإعلامية، وهناك روايات متعددة تسعى إلى تفسير ما يجري وفق مصالحها. لكن السؤال الأهم: لماذا تجد بعض تلك الروايات مادةً جاهزة تستند إليها؟ هل لأن النقد هو المشكلة؟ أم لأن الوقائع نفسها تحتاج إلى مراجعة شجاعة؟
السردية القوية لا تقوم على الإنكار، ولا على تجميل الواقع، بل على الاعتراف المركّب: ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ وأين أخطأنا في إدارة التحالفات؟ وأين أضعنا البوصلة بين الهدف والوسيلة؟
الحديث عن أن القضية “بلغت أقوى مراحلها وكانت على مقربة من لحظة مفصلية” يستحق هو الآخر نقاشًا موضوعيًّا. فالمعيار في السياسة ليس الشعور بالقوة، بل ترجمة تلك القوة إلى مكاسب مستدامة، وإلى مؤسسات، وإلى اعتراف سياسي وقانوني متراكم. أما الاكتفاء بإرجاع التعثر إلى “تعقيدات خارجية”، فيُبقي الذات خارج دائرة المساءلة.
التدخلات الخارجية حقيقة لا يمكن إنكارها في المشهد اليمني، لكن تحميلها كامل المسؤولية يختزل المشهد ويُغفل جانبًا من الحقيقة. السياسة فن إدارة التعقيد، لا فن الشكوى منه.
أما مسألة “الاتزان”، فهي مطلوبة بلا شك، لكن الاتزان لا يعني الصمت، ولا يعني تأجيل الأسئلة إلى أجل غير مسمى. الاتزان الحقيقي هو القدرة على الجمع بين الدفاع عن القضية، والاعتراف بأخطائها، والسعي لتصحيح مسارها دون خوف من الاتهام أو التخوين.
القضايا الكبرى لا تُدار بالانفعالات، صحيح. لكنها أيضًا لا تُدار بالمجاملات ولا بالمراهنة الدائمة على “عودة قريبة” دون مراجعة عميقة لما حدث. فالزمن السياسي طويل، نعم، لكنه لا يرحم من يكرر الأخطاء نفسها تحت عناوين مختلفة.
الحياة مستمرة، كما يقول الكاتب، والقيادات باقية في المشهد. لكن بقاء القيادات لا يعني بالضرورة بقاء الأساليب نفسها. فالتجربة لا تُقاس بمدة الحضور، بل بقدرتها على التطور وإعادة تعريف ذاتها في ضوء المتغيرات.
في النهاية، ليست المشكلة في “من يروي الحكاية”، بل في مدى صدق الحكاية مع نفسها. فحين تكون الرواية متماسكة، شفافة، وقابلة للنقد، يصعب على الخصوم اختطافها. أما حين تُرفع إلى مرتبة المقدس، فإنها تترك فراغًا يملأه الآخرون.
المعركة الحقيقية ليست بين سرديتين فحسب، بل بين ثقافتين: ثقافة ترى في النقد خطرًا، وثقافة تراه شرطًا للبقاء.
والتاريخ – في خاتمته – لا يكتبه من يملك الصوت الأعلى، بل من يملك القدرة على التعلم.


















