الأحد, 09 أغسطس 2026
122
السياسة ليست مجرد علم يُدرّس في قاعات الدرس، ولا هي مجرد نظريات جافة تُستلهم من كتب التاريخ، بل هي في جوهرها فن رفيع ومهارة مركبة تحتاج إلى حكمة في اتخاذ القرار، وإلى قدرة فائقة على المناورة والمواءمة تلامس حدود الفهلوة بالمعنى الإيجابي للذكاء الفطري وسرعة البديهة، فضلا عن الحنكة السياسية وبعد النظر اللذين يميزان القائد الحقيقي عن عابر السبيل في مشهد الحكم والسلطة.
وحين تتأمل طيَّات هذا العالم المضطرب، تدرك أن السياسي البارع والزعيم الملهم لا يولد صدفة، بل يصنعه المخاض الطويل وقدرة نادرة على الجمع بين المتناقضات؛ فهو يحتاج إلى رباطة جأش لا تهتز أمام العواصف، ونفس عميق يستوعب الصدمات، إلى جانب صبر الأكابر الذي لا ينفد، وحلم الكرام الذي يتسع للمخالفين قبل المؤيدين، وثبات الأبطال الأماجد الذين لا تذروهم رياح المصلحة العابرة.
السياسة بمعناها الواسع مسرح رحب، يتطلب إرادة صلبة وبصيرة نافذة، لأن إدارة الشأن العام والدفاع عن مصائر الأمم والشعوب ليس ترفا فكريا، بل هو محك حقيقي يختبر معادن الرجال، ويفرز بين السياسي الذي يبحث عن مكاسب شخصية آنية، والزعيم التاريخي الذي يحفر اسمه في ذاكرة الأوطان بأحرف من نور.
غير أن هذا الكلام الراقي والبلاغي، الذي نؤمن به كفلسفة للحكم، وتجارب طبقها السياسيون العظام، يصطدم في لحظات الحقيقة بصخرة الواقع الميداني الذي لا يُدار بالخواطر؛ ففي قلب المعترك الجنوبي اليوم، يرى المكلوم بمصائب فقد أعزائه يراها نزلت عليه كخيانة من شريكه، أن ما يُسمى فنًا وحنكة ليس في واقع السياسة إلا لعبة احتواء وكسر إرادة، تُمارَس لتقييد الطرف الآخر وسلب قراره المستقل.
ولذا، فإن التذاكي السياسي والنَفَس الطويل، حين يغتربان عن روح الشراكة المتكافئة، يتحولان إلى أدوات للتفكيك وفرض الإذعان، وتصبح التضحيات الجنوبية، التي بُذلت في سبيل الاستعادة، عرضة للاستنزاف، وهو أمر لا يمكن غض الطرف عنه أو التسليم به.
إن قضايا الجنوب العربي في علاقتها المعقدة بالمملكة العربية السعودية لا يمكن مقاربتها بمنطق الغلبة المطلقة ولا بمنطق الإنكار المتبادل، بل بمنطق المصالح المشتركة والاعتراف بالحقائق التاريخية والجيوسياسية القائمة؛ فالمملكة بوزنها وثقلها الإقليمي تبحث عن استقرار أمني وعمق استراتيجي في خاصرتها الجنوبية، والجنوبيون بصوتهم الحر وتضحياتهم يبحثون عن استعادة كيانهم وقرارهم وعدالة قضيتهم دون استلاب أو استصغار. وحين تغيب الشراكة المتكافئة وتتحول العلاقة إلى معادلة طرف قوي يملي وطرف ضعيف يُستنزف، فإن المآلات لا تصنع استقرارًا بل تزرع بذور الأزمات المتجددة التي لا تنتهي.
فهذه دعوة إلى خطاب عقلاني ومنطقي للتقريب والتعافي، لا ينطلق من لغة التنازل عن الثوابت ولا من لغة الاستعلاء، بل من إدراك عميق بأن أمن واستقرار المنطقة كلٌ لا يتجزأ، وأن أي محاولة لتفكيك الجبهات الداخلية أو ابتزاز التضحيات ستضر بالجميع ولن تخدم التحالف ولا الجوار.
العقلاء يرون أن التعاون المصلحي الحقيقي يرتكز على الاحترام المتبادل، والندية السياسية، ورفع الوصاية، وإدراك أن الجنوب القوي المستقر هو السند الحقيقي لأشقائه في الجزيرة العربية، وليس العكس.
وعليه، فإن اللحظة السياسية الراهنة تقتضي من صانع القرار في الرياض أن يدرك أن كسب قلوب وعقول أبناء الجنوب عبر الشراكة العادلة والمنصفة أبقى وأثمر على المدى الاستراتيجي من سياسات الإكراه وكسر الإرادات، كما تقتضي من القيادات في الجنوب أن تعي أن إدارة الصراع تتطلب براغماتية واعية تحمي القضية ولا تنجر إلى الفخاخ. عندها فقط، يمكن تحويل السياسة من ساحة للنزيف والاستنزاف إلى مساحة رحبة للتعافي، وبناء مستقبل يشترك الجميع في صناعته وحمايته.