في كل منعطف سياسي حاد، تطفو على السطح عبارة مألوفة: "كان طيبًا… لكن من حوله أفسدوا الأمور".
ترددت هذه الجملة بعد الإطاحة بسالم ربيع علي، وعادت بقوة عقب أحداث يناير 1986 عند الحديث عن علي ناصر محمد. وسمعناها بعد خروج علي سالم البيض إلى عُمان، وتكررت إثر مقتل علي عبدالله صالح، ثم بعد مغادرة عبدربه منصور هادي. واليوم تُقال بصيغ مختلفة في سياقات أخرى.
هذه العبارة تمنح شعورًا بالراحة؛ فهي تفصل بين صورة القائد ونتائج عهده، وتُبقي على جانب أخلاقي إيجابي في الذاكرة، وتُحمّل الدائرة الضيقة تبعات الإخفاق. غير أن هذا التفسير، مهما بدا مريحًا، يطرح سؤالًا جوهريًا حول مفهوم المسؤولية في الدولة.
السلطة بطبيعتها هرمية. القرارات الكبرى لا تُصاغ في الفراغ، ومن يتولى موقع القيادة يملك صلاحية الاختيار والتعيين ومنح النفوذ. المحيطون بالحاكم ليسوا كيانًا مستقلًا عنه؛ وجودهم وتأثيرهم يرتبطان بخياراته. لذلك فإن الفصل الكامل بين القائد ومن حوله يصعب قبوله من زاوية سياسية أو إدارية.
في التجارب المستقرة، تُقاس القيادة بقدرتها على بناء نظام رقابة يحد من التجاوز، ويُخضع الجميع لمعايير واضحة. وحين تتكرر الأخطاء في نطاق واسع، يصبح الأمر مؤشرًا على خلل في بنية الحكم، لا في سلوك أفراد متفرقين فقط.
الحديث عن “الطيبة” يعكس نزعة إنسانية مفهومة، لكنه لا يكفي لتقييم تجربة سياسية. إدارة الدولة مسألة كفاءة وتنظيم ومحاسبة. حسن النية، إن وُجد، لا يعوض غياب الأدوات المؤسسية التي تمنع الخطأ أو تعالجه في بداياته.
ربما تكشف هذه العبارة المتكررة جانبًا من ثقافتنا السياسية؛ حيث تميل الذاكرة الجمعية إلى شخصنة الأحداث، فتُختزل التجارب في أسماء، وتُختصر التعقيدات في سردية أخلاقية بسيطة. غير أن بناء الدول عملية أعقد من ذلك بكثير. إنه عمل تراكمي يتطلب وضوحًا في توزيع الصلاحيات، واستقلالًا في أجهزة الرقابة، وقضاءً قادرًا على مساءلة الجميع.
من دون هذه الأسس، تتكرر الدائرة نفسها: أزمة، ثم سقوط، ثم عبارة تبريرية جديدة.
الخروج من هذا المسار لا يرتبط بتبديل الأشخاص بقدر ما يرتبط بتغيير قواعد اللعبة. حين تصبح المساءلة جزءًا من الثقافة العامة، لن يكون هناك مجال لعبارة تبرئ رأس السلطة بالكامل. سيكون هناك تقييم موضوعي للتجربة، يُحدد ما تحقق وما أخفق، ويُحمّل المسؤولية وفق موقع القرار.


















