لم تكن الصواريخ الإسرائيلية وحدها هي التي حصدت قيادة حزب الله في جنوب لبنان قبل زمن قريب، وإن كانت قد دمّرت لاحقاً جزءاً كبيراً من قدراته العسكرية. بل إن ما سبق ذلك كان اختراقاً استخبارياً إسرائيلياً عبر أجهزة اتصال "البيجر" التي جرى دسّها لهم بواسطة شركة تجارية عميلة، بعد أن تم تفخيخها بمادة شديدة الانفجار وربطها بنظام تحكّم عن بُعد مع المخابرات الإسرائيلية. وبمجرد ضغطة زر تم التفجير في لحظة واحدة، لتحصد أرواحهم في مناطق تواجدهم المختلفة، وفق ما تم تداوله حينها. كان ذلك عملاً استخبارياً دقيقاً وفعالاً استخدم تقنية تكنولوجية حديثة، في صورة لما يمكن وصفه بـ"حرب العقل الاستخباري قبل الصواريخ".
ولم تكن صواريخ إسرائيل وقدراتها العسكرية هي التي حصدت القيادات الإيرانية في الحرب الماضية، أو التي مهدت لتدمير بنيتها العسكرية والدفاعية وشبكات الرادار ومنصات إطلاق صواريخ سلاح الجو في الضربة الأولى المباغتة التي أبقت أجواءها مفتوحة لمزيد من الضربات، بل كان ـ وفق ما تم تداوله أيضاً ـ الاختراق الاستخباري الذي سبقها، والمعلومة التي أرسلت الإحداثيات الدقيقة. عمل استخباري فعّال يقابله ضعف وغرور لدى الطرف الآخر؛ أي "حرب العقول الاستخبارية، حين تسقط المعلومة حرب الصواريخ والغرور".
وفي الحرب الحالية، لم تكن القدرات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية وحدها هي التي حصدت حياة المرشد ومن اجتمعوا معه من قيادات عسكرية وخبراء ومستشارين، بل ـ بحسب ما تم تداوله ـ زرع عملاء وتوفير المعلومة والإحداثية الدقيقة. وقد اتضحت أولى خيوط ذلك بانتحار ضابط إيراني عميل بعد انكشاف أنه من أرسل إحداثية اجتماع المرشد. يقابل ذلك ضعف إيراني متكرر وعدم الاستفادة من دروس الماضي؛ حالة من الغرور تسقط أمام دقة الاختراق.
وفي المقابل، لم تكن قدرة إيران العسكرية وحدها هي التي مكّنت قواتها ـ وفق ما تم تناقله ـ من القبض على جنود من المارينز لحظة إنزالهم في أراضٍ إيرانية، وكذلك جنود أمريكيين على حدودها مع دولة مجاورة، بل كان غرور الطرف الآخر وسوء تقدير الأمور. وهي أوراق قد تستخدمها إيران في أي مفاوضات قادمة.
إن بيت القصيد في كل ما استعرضناه من أخبار متداولة عن وقائع الحرب في ماضيها وحاضرها، بصرف النظر عن مدى دقتها وصحتها، هو الدعوة إلى التأمل والمراجعة والاستفادة. فربما يكون المجلس الانتقالي قد تعرض لاختراق، أو وقع في حالة غرور أو سوء تقدير للأمور، بالنظر إلى ما آلت إليه أوضاعه الحالية التي لا تسر عدواً قبل صديق.
كما أن الحرب الحالية ـ وهو أيضاً بيت القصيد ـ ربما تستهدف تشكيل خارطة جيوسياسية جديدة في المنطقة، يكون فيها للمنتصر اليد الطولى في التصرف بثروات ومقدرات المنطقة وبأهميتها الجغرافية والسياسية، بينما يصبح الآخر مجرد منافس تحت السيطرة وفق ما يُسمح له به.
إن اهتمام المجتمع الدولي والإقليمي في ظل هذه الحرب وبعدها ربما يضعف تجاه حل قضية شعب الجنوب كما كان قبلها، طالما أن الجميع منشغل بما قد تفرزه الحرب من آثار ونتائج وتداعيات وتحالفات جديدة تحافظ على مواقع القوى الدولية والإقليمية، وتحدد مكانها في سياق هذه الترتيبات.
وفي الإطار ذاته، قد تشمل الخارطة الجيوسياسية الجديدة حل قضية شعب الجنوب، بالنظر إلى ثرواته وأهميته الجيوسياسية في المنطقة، وبمياهه وموانئه وعاصمته عدن كمركز تجاري مهم للتجارة الدولية ومرور الطاقة. لكن إن حدث ذلك فقد لا يكون كما يريده المجلس الانتقالي أو الرئيس عيدروس الزبيدي، ولا كما يريده المشاركون في حوار الرياض الذي قد لا ينطلق أساساً بسبب الحرب، بل ربما يأتي الحل وفق مصالح المنتصر الخارجي وتحالفاته الجديدة وبالنظر إلى أهمية الجنوب.



















