في خضم الصراعات السياسية التي شهدها اليمن خلال العقود الماضية، برزت ظاهرة لافتة تتمثل في التباين الواضح بين الخطاب السياسي الذي يرفعه بعض الفاعلين، وبين السلوك العملي الذي يمارسونه عندما تتاح لهم فرص المشاركة في السلطة. وهذه الظاهرة لا تقتصر على تيار سياسي بعينه، لكنها تظهر بوضوح في بعض مواقف النخب التي ترفع شعارات حادة في العلن، ثم تتبنى مواقف مختلفة عندما تقترب من دوائر الحكم.
فمن المفارقات التي يلحظها المتابع أن بعض الأصوات التي تصف الدولة اليمنية بأنها «دولة احتلال» للجنوب، لا تجد حرجًا في قبول مناصب رسمية داخل مؤسسات هذه الدولة نفسها، بل وتؤدي اليمين الدستورية أمام قيادتها، متعهدة بالحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها. هذا التناقض بين الوصف السياسي للدولة من جهة، والمشاركة في مؤسساتها من جهة أخرى، يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة الخطاب السياسي وحدود الالتزام بالمبادئ المعلنة.
في علم السياسة وعلم النفس السياسي، يُنظر إلى مثل هذه الحالات بوصفها نوعًا من التنافر بين الخطاب والممارسة، حيث يعيش الفاعل السياسي حالة من التباين بين ما يعلنه من مواقف مبدئية وبين ما يفرضه عليه الواقع السياسي أو ما تمليه حسابات المصالح. وقد يُفسَّر هذا السلوك أحيانًا باعتباره براغماتية سياسية، أي محاولة الاستفادة من الفرص المتاحة لتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية، حتى لو تطلّب الأمر تجاوز الشعارات التي يتم رفعها أمام الجمهور.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في هذا التناقض بحد ذاته، بل في الأثر الذي يتركه على ثقة الناس بالحياة السياسية وبالخطابات التي تتردد في الساحة العامة. فالمواطن البسيط، الذي يتابع هذه التحولات، قد يجد نفسه أمام مشهد سياسي يطغى عليه الالتباس: شعارات كبيرة تُرفع في المنابر، وسلوك مختلف يظهر عند أول اختبار عملي. ومع تكرار هذه الحالات، تتآكل الثقة تدريجيًا في الخطاب السياسي برمته، ويزداد الشعور بأن كثيرًا من المواقف ليست سوى أدوات للمنافسة على السلطة.
ولعل التحدي الحقيقي أمام النخب السياسية في اليمن اليوم لا يتمثل فقط في طرح الشعارات أو تبني المواقف الحادة، بل في القدرة على بناء قدر من الاتساق بين القول والفعل. فالسياسة، مهما كانت تعقيداتها، تظل في جوهرها علاقة ثقة بين الفاعل السياسي والمجتمع. وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب والممارسة، تراجعت هذه الثقة، وتحوّل المجال السياسي إلى ساحة يغلب عليها الشك والتشكيك.
إن بناء حياة سياسية أكثر مصداقية يتطلب قدرًا أعلى من الوضوح والاتساق في المواقف، بحيث لا تتحول القضايا الكبرى إلى مجرد شعارات ظرفية، بل تبقى مرتبطة بسلوك سياسي يعكس ما يُقال في الخطاب العام. ففي النهاية، ما يمنح الأفكار السياسية قوتها ليس ارتفاع الصوت بها، وإنما صدقيتها عندما توضع موضع التطبيق.
فمن المفارقات التي يلحظها المتابع أن بعض الأصوات التي تصف الدولة اليمنية بأنها «دولة احتلال» للجنوب، لا تجد حرجًا في قبول مناصب رسمية داخل مؤسسات هذه الدولة نفسها، بل وتؤدي اليمين الدستورية أمام قيادتها، متعهدة بالحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها. هذا التناقض بين الوصف السياسي للدولة من جهة، والمشاركة في مؤسساتها من جهة أخرى، يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة الخطاب السياسي وحدود الالتزام بالمبادئ المعلنة.
في علم السياسة وعلم النفس السياسي، يُنظر إلى مثل هذه الحالات بوصفها نوعًا من التنافر بين الخطاب والممارسة، حيث يعيش الفاعل السياسي حالة من التباين بين ما يعلنه من مواقف مبدئية وبين ما يفرضه عليه الواقع السياسي أو ما تمليه حسابات المصالح. وقد يُفسَّر هذا السلوك أحيانًا باعتباره براغماتية سياسية، أي محاولة الاستفادة من الفرص المتاحة لتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية، حتى لو تطلّب الأمر تجاوز الشعارات التي يتم رفعها أمام الجمهور.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في هذا التناقض بحد ذاته، بل في الأثر الذي يتركه على ثقة الناس بالحياة السياسية وبالخطابات التي تتردد في الساحة العامة. فالمواطن البسيط، الذي يتابع هذه التحولات، قد يجد نفسه أمام مشهد سياسي يطغى عليه الالتباس: شعارات كبيرة تُرفع في المنابر، وسلوك مختلف يظهر عند أول اختبار عملي. ومع تكرار هذه الحالات، تتآكل الثقة تدريجيًا في الخطاب السياسي برمته، ويزداد الشعور بأن كثيرًا من المواقف ليست سوى أدوات للمنافسة على السلطة.
ولعل التحدي الحقيقي أمام النخب السياسية في اليمن اليوم لا يتمثل فقط في طرح الشعارات أو تبني المواقف الحادة، بل في القدرة على بناء قدر من الاتساق بين القول والفعل. فالسياسة، مهما كانت تعقيداتها، تظل في جوهرها علاقة ثقة بين الفاعل السياسي والمجتمع. وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب والممارسة، تراجعت هذه الثقة، وتحوّل المجال السياسي إلى ساحة يغلب عليها الشك والتشكيك.
إن بناء حياة سياسية أكثر مصداقية يتطلب قدرًا أعلى من الوضوح والاتساق في المواقف، بحيث لا تتحول القضايا الكبرى إلى مجرد شعارات ظرفية، بل تبقى مرتبطة بسلوك سياسي يعكس ما يُقال في الخطاب العام. ففي النهاية، ما يمنح الأفكار السياسية قوتها ليس ارتفاع الصوت بها، وإنما صدقيتها عندما توضع موضع التطبيق.


















