ما الذي يمكن أن يجنيه من يكرر القول إنه حرر عدن؟ وما القيمة التي يضيفها من يفاخر بأنه قدم من الشهداء والجرحى أكثر من غيره؟
لا خلاف على أن التضحيات التي قُدمت كانت عظيمة، وأن من سقطوا في ميادين القتال يستحقون التقدير والوفاء. غير أن تحويل هذه التضحيات إلى أداة للوصاية السياسية يفرغها من معناها الأخلاقي والوطني، وينقلها من فضاء التضحية إلى فضاء الاستثمار.
في التجارب الإنسانية، لم تكن التضحيات يومًا سندًا للهيمنة، بل كانت أساسًا لبناء دولة عادلة تتسع للجميع. الذين قاتلوا في الميدان لم يكن في ذهنهم أنهم يمنحون أحدًا صكًا مفتوحًا للحكم، ولا أنهم يضعون مستقبل الناس في قبضة فئة تدّعي الأحقية المطلقة.
المشكلة لا تكمن في استحضار النضال، بل في الطريقة التي يُستدعى بها. حين يتحول الخطاب من تذكير بالتضحيات إلى وسيلة لإقصاء الآخرين، فإننا نكون أمام انحراف خطير في المعنى والغاية. وحين تُستخدم عبارة "نحن ضحينا" كمدخل لتبرير الفساد أو الاستئثار، فإنها تفقد قيمتها، وتتحول إلى عبء على الوعي الجمعي.
لقد كشفت السنوات الماضية أن كثيرًا ممن تصدروا المشهد باسم النضال لم يقدموا نموذجًا مختلفًا في الحكم أو الإدارة. بل إن بعضهم أعاد إنتاج ذات الممارسات التي قامت ضدها تلك التضحيات، من إقصاء وتهميش وفساد. وهذا ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل كانت التضحيات من أجل تغيير الأشخاص، أم من أجل تغيير النهج؟
إن بناء المستقبل لا يقوم على سباق في تعداد الشهداء، ولا على مزايدات في سرد البطولات، وإنما على مشروع وطني واضح، يقوم على العدالة، وسيادة القانون، واحترام كرامة الإنسان.
عدن، التي كانت ساحة للتضحيات، تستحق أن تكون فضاءً للحياة، لا ميدانًا دائمًا للصراع على من يملك حق التحدث باسمها. والناس الذين دفعوا ثمن الحرب يتطلعون اليوم إلى الاستقرار والخدمات والعيش الكريم، أكثر مما يعنيهم من يتصدر المشهد بخطاب الماضي.
قد يكون من الضروري أن نعيد تعريف معنى النضال نفسه: ليس بوصفه رصيدًا سياسيًا يُستثمر، وإنما قيمة أخلاقية تُلزم أصحابها بالتواضع وخدمة الناس، لا السيطرة عليهم.
دعونا نغادر لغة الادعاء، ونقترب من استحقاقات الواقع. فالأوطان لا تُدار بالشعارات، ولا تُبنى بذاكرة مثقلة بالمزايدات، بل بإرادة صادقة تضع الإنسان في صدارة الأولويات.


















