“نحن في بلدٍ يحكمه الأموات”… عبارة صادمة قالها صديق في لحظة تأمل، لكنها تختزل واقعًا أعمق من مجرد توصيف عابر. فهي لا تشير إلى غياب الأحياء بقدر ما تكشف عن حضورٍ طاغٍ للماضي في وعي المجتمع؛ حضورٌ يجعل الحاضر عاجزًا عن إنتاج نفسه، ويجعل المستقبل رهينةً لما كان.
في اليمن، كما في كثير من البلدان التي أنهكتها الصراعات، تتحول الشخصيات التي غادرت المشهد – بالموت أو الإقصاء أو الهروب – إلى رموزٍ معلّقة في المخيلة العامة. تُستعاد صورها منقّحة، منزّهة من الأخطاء، وتُقدَّم بوصفها لحظات استقرار أو “عصرًا أفضل”. ومع كل تعثرٍ جديد، يتسع هذا الحنين، حتى يصبح بديلًا نفسيًا عن مواجهة الواقع.
لا تكمن المشكلة في استدعاء الماضي بحد ذاته؛ فالمجتمعات الحيّة تتعلم من تجاربها وتراجع تاريخها.
الإشكال يبدأ حين يتحول الماضي إلى ملاذ، وحين يصبح الحنين أداةً للهروب بدل أن يكون وسيلةً للفهم. عند هذه النقطة، يتوقف الحاضر عن كونه مساحةً للفعل، ويتحوّل إلى زمنٍ مؤجل، بانتظار “عودة الغائب” ليعيد ترتيب الأمور.
هذا النمط من التفكير يعكس أزمة ثقة عميقة بالحاضر. فحين تفشل النخب القائمة في تقديم نموذجٍ مقنع للحكم أو إدارة الدولة، يصبح من السهل على الناس إعادة تدوير صورٍ قديمة، حتى لو كانت تلك الصور نفسها جزءًا من المشكلة.
وهنا تظهر مفارقة لافتة: يتم نقد الماضي في لحظة، ثم التعلّق به في لحظة أخرى، وفقًا لمستوى الإحباط من الواقع.
من جهة أخرى، يكشف هذا الحنين عن فراغٍ سياسي حقيقي. غياب المشاريع الواضحة، وتراجع الفاعلين القادرين على تقديم رؤى جديدة، يفتح المجال واسعًا لعودة الرموز القديمة في الوعي الشعبي. ليس لأنها تحمل حلولًا حقيقية، بل لأنها تمثل “معرفةً مألوفة” في مقابل واقعٍ مرتبك وغير مفهوم.
الأخطر في هذه الحالة أنها تنقل المجتمع من موقع الفاعل إلى موقع المنتظر. فبدل أن يكون التغيير مسؤوليةً جماعية، يتحول إلى حدثٍ خارجي، مرتبط بشخصٍ أو مرحلةٍ مضت. وهنا تفقد السياسة معناها كفعلٍ يومي، وتتحول إلى انتظارٍ طويل، لا ينتهي إلا بمزيدٍ من خيبات الأمل.
التاريخ لا يعود، حتى وإن بدا ذلك ممكنًا في الذاكرة. وكل تجربة، مهما كانت، تنتمي إلى شروطها وسياقها، ولا يمكن استنساخها في زمنٍ مختلف. التعويل على عودة “المنقذ الغائب” ليس سوى تأجيلٍ لمواجهة الأسئلة الحقيقية: كيف نُنتج واقعًا أفضل؟ ومن يمتلك القدرة على صياغة هذا الواقع؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يستعيد دوره في فرض التغيير؟
ما يحتاجه اليمن اليوم ليس استدعاء الأموات، بل استعادة الأحياء لدورهم. ليس الحنين إلى ما كان، بل التفكير الجاد فيما يمكن أن يكون.
فالأوطان لا تُبنى بالذاكرة وحدها، ولا تُدار بالأمنيات، وإنما بإرادةٍ قادرة على تجاوز الماضي دون إنكاره، وعلى مواجهة الحاضر دون الهروب منه.
يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام مجتمعٍ يريد التغيير فعلًا، أم أمام مجتمعٍ يبحث عن ماضٍ أقل إيلامًا ليحتمي به من واقعٍ أكثر قسوة؟


















