​ليست كل الأزمات السياسية مقدمة لثورات، كما أن ليس كل الفقر يولّد انفجارًا. الفكرة التي صاغها فلاديمير لينين حول"الوضع الثوري" تضع معيارًا أدق لفهم اللحظات التي تخرج فيها المجتمعات من طور السكون إلى طور الفعل. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق بوجود أزمة فحسب، بل بنوعها وعمقها وتزامنها.

يحدد لينين شرطين حاسمين: عجز في قمة السلطة، ورفض في قاعدة المجتمع. أي أن النظام القائم يفقد قدرته على الحكم بالأساليب القديمة، في الوقت الذي تفقد فيه الجماهير استعدادها للاستمرار في العيش ضمن نفس الشروط. بين هذين الحدّين، تتشكل فجوة خطيرة، هي التي تفتح الباب أمام التحولات الكبرى.

لكن التجربة التاريخية تُظهر أن هذين الشرطين، على أهميتهما، لا يكفيان وحدهما. فكم من أنظمة اهتزت ولم تسقط، وكم من شعوب ثارت ولم تنجح في بناء بديل مستقر. هنا يبرز العامل الثالث الذي لم يكن أقل أهمية في تحليل لينين، وهو وجود قوة سياسية منظمة قادرة على إدارة لحظة التحول.

في العالم العربي، بدا أن هذه الشروط قد تلاقت في لحظة الربيع العربي. فقد ظهرت بوضوح أزمة في بنية الأنظمة، سواء على مستوى الشرعية أو الكفاءة، وترافق ذلك مع حالة سخط شعبي واسعة، غذّتها البطالة، والفساد، وانسداد الأفق السياسي. غير أن ما حدث لاحقًا كشف عن خلل عميق في الشرط الثالث: غياب البديل القادر على الانتقال بالمجتمع من حالة الثورة إلى حالة الدولة.

في الحالة اليمنية، تتجلى هذه الإشكالية بصورة أكثر تعقيدًا. فقبيل عام 2011، كان النظام يعاني من تآكل تدريجي في قدرته على السيطرة، بينما كانت قطاعات واسعة من المجتمع تشعر بثقل الأزمات الاقتصادية والسياسية. وعندما اندلعت الاحتجاجات، بدا أن البلاد تقترب من تحقيق شروط “الوضع الثوري”. لكن المسار اللاحق أظهر أن غياب مشروع وطني جامع، وتعدد مراكز القوى، وتداخل العوامل الإقليمية، قد حوّل لحظة الإمكان إلى مسار صراع مفتوح.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: ليس كل انهيار في بنية السلطة يؤدي إلى بناء نظام أفضل، كما أن ليس كل غضب شعبي يفضي إلى تغيير إيجابي. فبين لحظة السقوط ولحظة التأسيس، توجد فجوة تتطلب وعيًا سياسيًا وتنظيمًا وقدرة على إدارة التناقضات.

إن قراءة الواقع العربي اليوم، في ضوء هذه الفكرة، تكشف أن العديد من المجتمعات لا تزال عالقة في منطقة رمادية: أنظمة لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار كما في السابق، ومجتمعات لم تعد تقبل بالاستمرار في نفس الشروط، لكن دون أن يتبلور بعد البديل القادر على الحسم.

في مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل سيحدث التغيير؟ بل: أيّ تغيير سيحدث، ولصالح من؟ فالتاريخ لا يرحم الفراغ، وحين يغيب المشروع، تتقدم الفوضى لملئه.
إن عبارة لينين، رغم بساطتها، تظل أداة تحليلية نافذة لفهم تحولات الحاضر، لكنها في الوقت ذاته تحمل تحذيرًا ضمنيًا: أن لحظة الانفجار، إن لم تُحسن إدارتها، قد تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة.