حتى سن الخامسة والثلاثين، كنت أعيش على جملة واحدة: "ما زلت صغيرًا… المستقبل أمامك". كنت أصدقها.

أحملها كتعويذة، أُسكِت بها قلق السؤال الذي كان يطرق رأسي كل مساء: لماذا لا أتقدم؟ لماذا لا أُرى؟.

لم أكن أطلب معجزة، فقط خطوة صغيرة إلى الأمام.. ترقية تُشعرني أنني أمشي، لا أدور في المكان.

لكن السنوات لا تمشي كما نعتقد.. هي لا تنتظر أحدًا، ولا تعود لتعتذر.

مرت الأيام، وكبرتُ؛ كبرت دون أن يتغير شيء، إلا ذلك الإيمان البسيط الذي كان يخفف وطأة الانتظار.

ثم جاء اليوم الذي لم يكن في الحسبان: إحالة إلى التقاعد.

هكذا، ببساطة، أُغلِق الباب، قبل أن يُفتح أصلًا، في تلك اللحظة فقط، فهمت، لم يكن المستقبل أمامي.. كان يُصنع بعيدًا عني.

تذكرت كل الوجوه التي كانت تطمئنني، كل الأصوات التي كانت تقول: "اصبر".

نظرت حولي، فوجدتهم هم أنفسهم في أعلى المواقع، وأبناءهم يصعدون الدرج ذاته، لكن دون انتظار، دون وعود، دون صبر.

أما أنا… كنت قد استهلكت عمري في الانتظار، الأقسى من ذلك، حين نظرت إلى أبنائي.

رأيت في عيونهم السؤال ذاته الذي كان يسكنني يومًا: متى يأتي دورنا؟.

لكنني هذه المرة لم أجد الجملة نفسها لأقولها، لم أستطع أن أورثهم الوهم ذاته.

أي مستقبل هذا الذي يُؤجل حتى ينتهي؟.

وأي صبر هذا الذي يتحول إلى عمر كامل يُهدر بصمت؟.

أدركت متأخرًا أن بعض الكلمات لا تُقال لتُطمئنك، بل لتُبقيك مكانك.. حتى يمر غيرك.

وأن بعض الأبواب لا تُغلق في وجهك لأنك لا تستحق، بل لأن هناك من قرر منذ البداية أنك لن تعبرها.

لسنا ضعفاء كما نظن، لكننا كنا نُدار.. بصبرنا، بثقتنا، بحسن نيتنا.

واليوم، لم يعد في العمر متسع للانتظار، لكن في القلب متسع للحقيقة.

لن أقول لأبنائي إن المستقبل أمامهم، بل سأقول لهم: لا تنتظروا مستقبلًا لا يصنعه لكم أحد.. اصنعوه إن استطعتم، أو على الأقل لا تصدقوا من يعدكم به.