في خضم التشابكات التي تحيط بالقضية الجنوبية، يبرز سؤال جوهري يتجاوز الأشخاص والتنظيمات: من يملك الحق في تمثيل قضية بهذا الحجم والتعقيد؟ وهل يكفي أن يكون المرء قد شارك في لحظة نضالية، أو تصدر مشهدًا ميدانيًا، ليصبح مؤهلًا لقيادة مسار سياسي طويل ومليء بالتحديات؟
الحقيقة التي ينبغي التوقف عندها هي أن الجنوب، كقضية أكبر من جميع من يتصدرون المشهد اليوم. فالقضايا الكبرى لا تُختزل في أشخاص، ولا تُدار بمنطق الغلبة أو الصوت الأعلى، بل تحتاج إلى أدوات سياسية قادرة على استيعاب تعقيداتها، والتعامل مع توازناتها الداخلية والخارجية.
لقد كان للحراك الميداني، بكل أشكاله، دور محوري في إعادة القضية الجنوبية إلى الواجهة، وفي لفت الانتباه إلى مظالم حقيقية عاشها الناس. غير أن هذا الدور، على أهميته، لا يكفي وحده للانتقال بالقضية من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة الحل. فهناك فارق جوهري بين من يجيد إدارة المواجهة في الميدان، ومن يمتلك القدرة على إدارة التفاوض وصياغة الحلول وبناء الشراكات.
إن الخلل يبدأ حين يتم الخلط بين هذين الدورين، وحين يُمنح التفويض السياسي بناءً على التاريخ النضالي فقط، دون النظر إلى الكفاءة السياسية. ففي هذه الحالة، يتحول العمل السياسي إلى امتداد للميدان، لا إلى أداة لتجاوزه، وتصبح القرارات محكومة بردود الفعل، لا بحسابات المصالح والنتائج.
ومع مرور الوقت، ينعكس هذا الخلل مباشرة على حياة الناس. فالقضية التي كان يُفترض أن تكون مدخلًا لتحسين أوضاعهم، تتحول إلى عبء إضافي، مع استمرار الصراع، وتعثر الحلول، وتآكل الثقة بين المكونات المختلفة. وهنا تفقد القضية شيئًا من نبلها، لا لأنها فقدت عدالتها، بل لأن أدوات إدارتها لم تكن بمستوى تضحياتها.
إن إعادة الاعتبار للقضية الجنوبية لا تبدأ من الشعارات، بل من مراجعة أدوات التمثيل، وإعادة تعريف معايير القيادة. فالميدان يصنع اللحظة، لكن السياسة هي التي تصنع المستقبل. وبين الاثنين، تضيع القضايا حين لا يُحسن الجمع بينهما.


















