يحتفل العالم اليوم في الـ 20 من أبريل، بيوم اللغة الصينية، حيث يأتي هذا الاحتفال ضمن جهود الأمم المتحدة في سبيل رفع الوعي التاريخي والثقافي وبناء على مبادرة اليونسكو، المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم، أعلن في 19 فبراير 2010 الاحتفال بكل لغة من اللغات الرسمية للأمم المتحدة، وتقرر تكريم اللغة الصينية أكبر لغات العالم في 22 أبريل تخليدا لذكرى سانغ جيه مؤسس الأبجدية الصينية.
فحين نقف أمام خريطة الحضارات الكبرى التي شكلت وجه البشرية، تتقدم الصين بثوبها الحريري المطرز بتاريخ لا ينقطع. خمسة آلاف عام من الكتابة والتدوين، من "كتاب التغيرات" إلى "فن الحرب"، ومن سورها العظيم إلى أقمارها الصناعية التي تراقب الكون. ومن أراد أن يفهم هذه الحضارة من منابعها، لا من ترجمات قد تخون المعنى، فعليه أن يطرق باب لغتها.
فالحضارة الصينية تعد مفتاح الحضارة التي لم تمت، فاذا كانت مصر وبابل وأثينا مدن خلدتها الحجارة، فالصين حضارة خلدتها الكلمة. لا تزال الرموز التي نقشها حكماء "هان" و"تانغ" تقرأ اليوم في شوارع بكين وشنغهاي.
فاللغة الصينية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي الوعاء الذي حفظت فيه فلسفة كونفوشيوس، وتأملات لاو تسي، ودقة سون تزو الحربية.
من لم يقرأ "مختارات كونفوشيوس" بلغتها الأم، فاتته نصف الحكمة. فالمترجم، مهما أخلص، يترك ظله على النص.
دارس التاريخ القديم يعرف أن طريق الحرير لم يكن يحمل البضائع وحدها، بل كان يحمل الأفكار. ومع كل قافلة عبرت من تشانغان إلى سمرقند، كانت اللغة الصينية تنحت مفرداتها في لغات الشعوب.
اليوم، ونحن نعيد قراءة ذلك التاريخ، نكتشف أن فهم الصين القديمة هو فهم لجذر أساسي من جذور العولمة الأولى.
فاللغة الصينية أيضًا تعد لغة الحاضر الذي لا يمكن تجاهله أو القفز عليه وتجاوزه. إذا كان القرن التاسع عشر بريطاني اللسان، والقرن العشرون أمريكي اللهجة، فإن القرن الحادي والعشرين يتشكل بصوت قادم من الشرق.. الصين اليوم ليست "مصنع العالم" فحسب، بل صارت مختبره.
من يريد أن يقرأ أحدث بحث في الذكاء الاصطناعي، أو براءة اختراع في بطاريات الطاقة، أو ورقة علمية عن محطات الفضاء، سيجد أن "ماندرين" صارت لغة أولى في المختبرات، لا مترجمة عنها.
أرقام النشر العلمي لا تكذب. جامعات تسينغهوا وبكين تنافس هارفارد ومعهد ماساتشوستس. شركات مثل هواوي وBYD وDJI تفرض مصطلحات تقنية صينية صارت جزءا من قاموس المهندسين من عدن إلى سان باولو. من لا يتقن هذه اللغة اليوم، يقف على باب الثورة الصناعية الرابعة متفرجا، وسيخسر صفة المشاركة.
وإذا كانت اللغة بحد ذاتها سلطة. ومن يملك لغة الصين يملك مفتاح سوق قوامه 1.4 مليار نسمة، وثاني اكبر اقتصاد في العالم، واكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة، بينها جل الدول العربية.
مبادرة "الحزام والطريق" لا تمر عبر الموانئ والسكك الحديدية فقط، بل تمر عبر العقود والمفاوضات والمصطلحات الفنية التي تكتب أولا بالصينية.
لقد ولى الزمن الذي كانت فيه الإنجليزية جواز السفر الوحيد إلى العالم. رجل الأعمال العربي الذي يفاوض في شنتشن، والطبيب الذي يدرس تقنيات الروبوت الجراحي في شنغهاي، والمهندس الذي يتابع مشروع قطار في أثيوبيا بتمويل صيني، كلهم يكتشفون أن جملة واحدة بلغة القوم تفتح ما لا تفتحه الف صفحة مترجمة. الثقة تبنى باللسان قبل أن توقع بالأقلام.
ومع اللغة الصينية يحظر مشهد المستقبل يكتب من اليمين إلى اليسار... ومن الأعلى إلى الأسفل
لأن الصين عملاق الصناعة والتجارة لا تصدر البضائع، بل تصدر النموذج. نموذجها في التحول الرقمي، في بناء المدن الذكية، في حوكمة البيانات، في استكشاف القمر والمريخ. ومن أراد أن يفهم هذا النموذج، عليه أن يقرأه بلغته. فاللغة هنا طريقة تفكير..
الصينية لغة تصويرية، تجعل المتحدث بها يرى الكل قبل الجزء، وهذا سر من أسرار التخطيط الاستراتيجي الذي يدهش العالم.
نحن العرب، أبناء اللغة التي حفظت ديوان العرب وسجلت علوم اليونان، ندرك أكثر من غيرنا قيمة اللسان في حفظ الهوية وبناء الجسور. واليوم، كما انكب أجدادنا على اليونانية والفارسية والسريانية يوم كانت بغداد عاصمة المعمورة، فان على أبنائنا أن ينكبوا على الصينية وهي لغة العاصمة القادمة للعلم والصناعة.
إن الاحتفال بيوم اللغة الصينية يعد اعتراف بان موازين القوة الثقافية والعلمية تتغير وان من أراد أن يكون شاهدا على التاريخ، عليه أن يتعلم لغة من يكتبه، وكوكب الصين هو من ينحت احرف هذا التاريخ.
فاللغة الصينية اليوم تعتبر باب إلى مستقبل يصنع الآن، حبره سيليكون، وورقه دوائر كهربائية، وقلمه يمسك به تنين تعلم أن يطير. ومن الحكمة أن نتعلم لغته قبل أن يحلق بعيدا فيتركنا على الأرض لأننا تخلفنا عن الركب..
فحين نقف أمام خريطة الحضارات الكبرى التي شكلت وجه البشرية، تتقدم الصين بثوبها الحريري المطرز بتاريخ لا ينقطع. خمسة آلاف عام من الكتابة والتدوين، من "كتاب التغيرات" إلى "فن الحرب"، ومن سورها العظيم إلى أقمارها الصناعية التي تراقب الكون. ومن أراد أن يفهم هذه الحضارة من منابعها، لا من ترجمات قد تخون المعنى، فعليه أن يطرق باب لغتها.
فالحضارة الصينية تعد مفتاح الحضارة التي لم تمت، فاذا كانت مصر وبابل وأثينا مدن خلدتها الحجارة، فالصين حضارة خلدتها الكلمة. لا تزال الرموز التي نقشها حكماء "هان" و"تانغ" تقرأ اليوم في شوارع بكين وشنغهاي.
فاللغة الصينية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي الوعاء الذي حفظت فيه فلسفة كونفوشيوس، وتأملات لاو تسي، ودقة سون تزو الحربية.
من لم يقرأ "مختارات كونفوشيوس" بلغتها الأم، فاتته نصف الحكمة. فالمترجم، مهما أخلص، يترك ظله على النص.
دارس التاريخ القديم يعرف أن طريق الحرير لم يكن يحمل البضائع وحدها، بل كان يحمل الأفكار. ومع كل قافلة عبرت من تشانغان إلى سمرقند، كانت اللغة الصينية تنحت مفرداتها في لغات الشعوب.
اليوم، ونحن نعيد قراءة ذلك التاريخ، نكتشف أن فهم الصين القديمة هو فهم لجذر أساسي من جذور العولمة الأولى.
فاللغة الصينية أيضًا تعد لغة الحاضر الذي لا يمكن تجاهله أو القفز عليه وتجاوزه. إذا كان القرن التاسع عشر بريطاني اللسان، والقرن العشرون أمريكي اللهجة، فإن القرن الحادي والعشرين يتشكل بصوت قادم من الشرق.. الصين اليوم ليست "مصنع العالم" فحسب، بل صارت مختبره.
من يريد أن يقرأ أحدث بحث في الذكاء الاصطناعي، أو براءة اختراع في بطاريات الطاقة، أو ورقة علمية عن محطات الفضاء، سيجد أن "ماندرين" صارت لغة أولى في المختبرات، لا مترجمة عنها.
أرقام النشر العلمي لا تكذب. جامعات تسينغهوا وبكين تنافس هارفارد ومعهد ماساتشوستس. شركات مثل هواوي وBYD وDJI تفرض مصطلحات تقنية صينية صارت جزءا من قاموس المهندسين من عدن إلى سان باولو. من لا يتقن هذه اللغة اليوم، يقف على باب الثورة الصناعية الرابعة متفرجا، وسيخسر صفة المشاركة.
وإذا كانت اللغة بحد ذاتها سلطة. ومن يملك لغة الصين يملك مفتاح سوق قوامه 1.4 مليار نسمة، وثاني اكبر اقتصاد في العالم، واكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة، بينها جل الدول العربية.
مبادرة "الحزام والطريق" لا تمر عبر الموانئ والسكك الحديدية فقط، بل تمر عبر العقود والمفاوضات والمصطلحات الفنية التي تكتب أولا بالصينية.
لقد ولى الزمن الذي كانت فيه الإنجليزية جواز السفر الوحيد إلى العالم. رجل الأعمال العربي الذي يفاوض في شنتشن، والطبيب الذي يدرس تقنيات الروبوت الجراحي في شنغهاي، والمهندس الذي يتابع مشروع قطار في أثيوبيا بتمويل صيني، كلهم يكتشفون أن جملة واحدة بلغة القوم تفتح ما لا تفتحه الف صفحة مترجمة. الثقة تبنى باللسان قبل أن توقع بالأقلام.
ومع اللغة الصينية يحظر مشهد المستقبل يكتب من اليمين إلى اليسار... ومن الأعلى إلى الأسفل
لأن الصين عملاق الصناعة والتجارة لا تصدر البضائع، بل تصدر النموذج. نموذجها في التحول الرقمي، في بناء المدن الذكية، في حوكمة البيانات، في استكشاف القمر والمريخ. ومن أراد أن يفهم هذا النموذج، عليه أن يقرأه بلغته. فاللغة هنا طريقة تفكير..
الصينية لغة تصويرية، تجعل المتحدث بها يرى الكل قبل الجزء، وهذا سر من أسرار التخطيط الاستراتيجي الذي يدهش العالم.
نحن العرب، أبناء اللغة التي حفظت ديوان العرب وسجلت علوم اليونان، ندرك أكثر من غيرنا قيمة اللسان في حفظ الهوية وبناء الجسور. واليوم، كما انكب أجدادنا على اليونانية والفارسية والسريانية يوم كانت بغداد عاصمة المعمورة، فان على أبنائنا أن ينكبوا على الصينية وهي لغة العاصمة القادمة للعلم والصناعة.
إن الاحتفال بيوم اللغة الصينية يعد اعتراف بان موازين القوة الثقافية والعلمية تتغير وان من أراد أن يكون شاهدا على التاريخ، عليه أن يتعلم لغة من يكتبه، وكوكب الصين هو من ينحت احرف هذا التاريخ.
فاللغة الصينية اليوم تعتبر باب إلى مستقبل يصنع الآن، حبره سيليكون، وورقه دوائر كهربائية، وقلمه يمسك به تنين تعلم أن يطير. ومن الحكمة أن نتعلم لغته قبل أن يحلق بعيدا فيتركنا على الأرض لأننا تخلفنا عن الركب..



















