أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 04:25 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • عدن: دَينٌ في أعناقكم منذ 1967م

    أحمد عبدالله المريسي




    ​حين يُفتح اليوم ملف التجريف والإقصاء والتهميش في الجنوب، تتصدر المشهد أبين وشبوة والمحافظات الجنوبية الأخرى، وحقهم في المطالبة مصان ولا أحد يستطيع أن ينكره أو يزايد عليه. ولكن ثمة اسم واحد يُحذف عمداً من هذه المعادلة، وكأن التاريخ يبدأ من الأمس القريب، وكأن الذاكرة الوطنية لا تتجاوز عام 2015. ذلك الاسم هو عدن. 

    والحقيقة التي لا تقبل المزايدة ولا التأويل أن ما تتعرض له عدن ليس سوء إدارة عابراً ولا إهمالاً حكومياً يمكن تبريره بظرف أو بآخر. إنه عقاب سياسي تراكمي ممنهج بدأ منذ عام 1967م. عوقبت عدن أولاً لأنها كانت عاصمة الجنوب النابض، فصودرت تجارة أهلها وأممت مؤسساتها وهجرت كوادرها ومسحت هويتها المدنية والتجارية. وعوقبت ثانياً بعد عام 1994 حين تحولت إلى غنيمة حرب، فجرى إقصاء كوادرها الذين بنوا مؤسسات الدولة واستبدالهم بمنظومة ولاءات لا تعرف للمدينة تاريخاً ولا فضلاً. وعوقبت ثالثاً في عام 2015 حين قدمت أغلى ما تملك وهو الدم، فحررت نفسها وحررت معها وطناً بأكمله، ثم تركت وحيدة تواجه الخراب وتدفع فاتورة صمودها من قوت أبنائها. 

    واليوم تُعاقب للمرة الرابعة، وهي الأقسى والأكثر إذلالاً. سياسياً بلا تمثيل وزاري يليق بمكانتها التاريخية ولا بحجم التضحيات التي قدمتها، وبلا حضور فعلي في مراكز القرار وبلا صوت مسموع على طاولة تقاسم الاستحقاقات التي يتحدث عنها الجميع. وإدارياً بتحويلها إلى فندق كبير للدولة بكل أوزارها، فاحتضنت الحكومة والوزارات والسفارات ومقار المنظمات ومئات الآلاف من النازحين، وتتحمل وحدها تبعات هذا الثقل من فوضى وفساد وانهيار خدمات. واقتصادياً بتدمير ممنهج لمينائها ومطارها ومنطقتها الحرة، فتحولت من عاصمة تجارية كانت تصدر للعالم إلى مدينة مستهلكة تعيش على المساعدات والفتات. واجتماعياً بانهيار وصل إلى حد الإهانة، فصار المواطن العدني يقضي ثمان ساعات طافي مقابل ساعتين لاصي في لهيب أغسطس، ويشتري الماء بالواسطة، ويدخل المستشفى بلا دواء، ويدرس ابنه في مدرسة بلا معلم، ويستلم مرتبه بعد شهور من المذلة. 

    والأخطر هو العقاب التاريخي والثقافي. فثمة محاولة ممنهجة لطمس دور عدن في بناء الجنوب الحديث. فبعد الاستقلال مباشرة كانت الأرياف الجنوبية والقرى والمحافظات الأخرى تعاني من المرض والجهل والأمية. من الذي ذهب إلى تلك المناطق؟ من الذي حمل الحقيبة والكتاب والسماعة والمشروع؟ كانوا أبناء عدن. ذهب المعلم العدني ليعلم، والطبيب العدني ليعالج، والمهندس العدني ليبني. قاموا بواجبهم الوطني بلا منة وبلا مقابل، وأسسوا مدارس ومستشفيات ومرافق في كل شبر من الجنوب. كانت عدن منارة الجنوب كله، واليوم تُترك عمداً في الظلام. 

    النتيجة المنطقية لكل ذلك أن مدينة أعطت للجميع العلم والطب والتجارة والحضارة، ودفعت الثمن في كل المراحل، قد تحولت إلى المستضيف الصامت الذي يُطلب منه أن يضحي بلا سقف وأن يبرر فشل الجميع وأن يكتفي بدور لا يسأل فيه عن حقه. 

    لذلك نقولها بوضوح بلا لف ولا دوران. العدل لا يتجزأ. ومن يطالب باستحقاقه في أي محافظة عليه أن يبدأ بالاعتراف باستحقاق العاصمة التي علمت أبناءه وعالجت مرضاه. ومن يتحدث عن التوازن الوطني عليه أن يبدأ بالتوازن مع عدن. ومن يطلب من الأشقاء التدخل لإنصاف محافظة عليه أن يتذكر أن أطول وأعمق ظلم وقع على عدن منذ 1967م وحتى هذه اللحظة. 

    إلى رئاسة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والتحالف العربي نقول: إن ملف عدن لم يعد ملف خدمات يمكن تأجيله بمسكنات موسمية. إنه ملف وجود ووفاء ودين تاريخي في أعناق الجميع. نطالب بتمثيل سياسي عادل يعكس وزن المدينة، وبتوظيف كفاءاتها في مواقع القرار، وبخطة إنقاذ حقيقية للكهرباء والماء بجدول زمني معلن وملزم تنهي فضيحة الثمان الساعات طافي، وبصرف تعويضات 2015 التي جمدت في الأدراج، وبوقف العبث الممنهج بالوظيفة العامة. 

    عدن لا تستجدي أحداً. عدن تطالب بحقها كاملاً غير منقوص. حق تاريخي وسياسي واقتصادي واجتماعي تراكم عبر عقود. وأخيراً يجب أن يعلم الجميع أن أي مشروع وطن يُبنى على ظهر عدن المكسور هو مشروع ساقط لا محالة، وأن التاريخ لن يرحم من صمت أو شارك أو برر. فإما أن نكون جميعاً شركاء في بناء عادل ينصف عدن، أو فليتحمل كلٌ مسؤولية العواقب.

المزيد من مقالات (أحمد عبدالله المريسي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال