لا يمكن قراءة الاجتماع الأخير للحكومة اليمنية برئاسة رشاد العليمي بوصفه مجرد إجراء إداري روتيني أو تقني، بل هو في جوهره مرآة صقيلة تعكس بوضوح فج هشاشة الدولة اليمنية في المحافظات المحررة وتعدد مراكز النفوذ التي تتنازع أشلاءها، فخلف العبارات الرسمية المنمقة حول "ضبط الموارد" و"إغلاق الحسابات الموازية" تبرز صورة دولة فقدت سيادتها على أدواتها الأساسية وتحولت إلى ساحة مفتوحة للوبيات داخلية وخارجية لا تقيم وزنًا للمصلحة العامة، وهنا تكمن التناقضات البنيوية العميقة حيث تطالب الدولة بتوريد الموارد إلى الحساب العام في حين أن وجود الحسابات الموازية أصلًا يعني وجود سلطات موازية تفرض نفسها كدولة داخل الدولة، والحديث المرّ عن منافذ وموانئ غير مرخصة يكشف أن الجغرافيا اليمنية باتت موزعة بين سلطات متنازعة وأن المركز عاجز بنيويًّا عن فرض سيطرته، حتى إن التوجيه بمنع التدخل في صلاحيات شركة النفط يفضح حجم الصراع بين شبكات مصالح متغلغلة حولت كل مؤسسة إلى غنيمة يتقاسمها المتنفذون بلا هوادة.
إن المشهد اليمني الراهن محكوم بمعادلة اللوبيات والارتهان للخارج، حيث تبرز لوبيات داخلية تتغذى على ضعف الدولة وتستثمر في استمرار الفوضى والتهريب والمنافذ غير الرسمية، يقابلها ارتهان للخارج يجعل الدولة فاقدة لقرارها الاقتصادي والأمني المستقل ومتحركة ضمن إملاءات توازنات إقليمية ودولية تطيح بالكرامة السياسية والسيادة الوطنية، وبناءً على ذلك يصبح كل قرار حكومي محكومًا بهذه التوازنات القلقة لا بحاجة الشعب الذي يظل الضحية الدائمة لهذا التآكل، فأزمة الكهرباء والوقود ليست خللًا تقنيًّا عابرًا بقدر ما هي انعكاس لعجز الدولة عن تأمين الحد الأدنى من الخدمات بينما تنهب الموارد لصالح شبكات النفوذ، ليجد المواطن نفسه محاصرًا بين مطرقة الفساد وسندان الارتهان للخارج، في دولة تُدار كصفقة بين المتنفذين بينما تترك الأغلبية الساحقة في العتمة والفقر.

















