من الأخطاء التي رافقت مسار القضية الجنوبية خلال السنوات الماضية، محاولة بعض الأطراف تقديم نفسها بوصفها الممثل الحصري لهذه القضية، وكأنها وحدها من يمتلك الحق في التحدث باسم الجنوب وتحديد مصيره. غير أن هذه المقاربة، إلى جانب كونها غير واقعية، تحمل في طياتها مخاطر عميقة قد تعيق أي فرصة حقيقية للوصول إلى حل عادل ومستدام.

فالقضية الجنوبية، في جوهرها، ليست ملكًا لمكوّن سياسي، ولا حكرًا على فرد أو جماعة أو منطقة. إنها قضية شعب بكامله، بتنوعه الاجتماعي والسياسي والجغرافي، وبالتالي فإن أي محاولة لاختزال هذا التعدد في إطار ضيق، إنما تمثل إقصاءً غير مبرر لبقية الأصوات، وتغذية لانقسامات لا تخدم إلا إطالة أمد الأزمة.

إن التعدد في المكونات السياسية يجب أن يُنظر إليه بوصفه حالة صحية، تعكس حيوية المجتمع وتنوع رؤاه. ومن الطبيعي أن تسعى هذه المكونات إلى طرح مشاريعها وبرامجها، وأن تتنافس على كسب التأييد الشعبي. لكن هذا التنافس يفقد معناه عندما يتحول إلى صراع صفري، قائم على التخوين والتشويه والاتهامات المتبادلة، بدل أن يكون تنافسًا شريفًا يثري النقاش العام ويقرب وجهات النظر.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن القضايا الكبرى لا تُحسم عبر الغلبة الداخلية، بل عبر التوافق. وأن الانتصار الحقيقي لا يكون بإقصاء الآخر، بل باستيعابه ضمن مشروع جامع. ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تتطلب من جميع الأطراف مراجعة خطابها السياسي والإعلامي، والعمل على تهدئة الأوضاع، ووقف الحملات التي تؤجج الانقسام وتعمّق فجوة الثقة.

كما أن مسؤولية القوى السياسية لا تقف عند حدود الخطاب، بل تمتد إلى الفعل، من خلال الإسهام في تثبيت الأمن والاستقرار، وتطبيع الحياة العامة، وتهيئة المناخ المناسب لانطلاق حوار جنوبي – جنوبي جاد. حوار يقوم على أسس واضحة، في مقدمتها الاعتراف بالتعدد، والقبول بالاختلاف، والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة من أجل الوصول إلى حلول ممكنة.

إن الحوار المنشود لا ينبغي أن يكون مجرد لقاءات شكلية أو منصات لإعادة إنتاج الخلافات، بل عملية سياسية حقيقية، تنطلق من إدراك عميق بأن ما يجمع الجنوبيين أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن أي حل لا يحظى بقبول واسع، سيظل عرضة للاهتزاز، مهما بدا قويًا في لحظة فرضه.

وفي نهاية المطاف، فإن القضية الجنوبية لن تجد طريقها إلى الحل إلا عبر إرادة جماعية صادقة، تضع مصلحة الناس فوق حسابات القوى، وتتعامل مع التعدد بوصفه مصدر قوة لا نقطة ضعف. فالشراكة في التمثيل، والتوافق في القرار، هما الطريق الأقصر نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.