الموضوع: (تبسيط المناهج.. عن الإنجاز الذي ينتظر "شجاعة" القرار).
ليس عيبًا أن نعترف بأن المنهج بات عبئًا ثقيلًا، بل العيب هو حراسة هذا العبء تحت ذرائع الحفاظ على المستوى في وقت يتربص بنا الجهل من كل جانب. إن العبرة ليست بضخامة الكتب، بل بمقدار "الوزر" الذي سنرفعه عن أكتاف هذا الجيل، فهل نجرؤ أخيرًا على اتخاذ القرار الذي يقلب الطاولة على الواقع الراكد، لتبدأ من محافظاتنا المحررة معركة التغيير الكبرى في مسار التعليم؟
معالي الدكتور عادل العبادي؛ السلام عليكم وبعد، لا أكتب إليك من مقعد الناقد المتربص، بل من خندق المعرفة الذي يرى فرصة تاريخية تلوح في الأفق، فرصة لتحويل أنين المعلمين والموجهين المكبوت لعقود إلى فعل سيادي يغير وجه التعليم في بلدنا. وقبل أن نسترسل في "فنيات" التبسيط، لا بد من مكاشفة سياسية وتربوية مريرة؛ فبينما تملك سلطة الانقلاب الحوثي في صنعاء الجرأة — وإن كانت جرأة أيديولوجية مسمومة — على اقتحام المناهج وتعديلها لتكريس عقيدتها وحشو عقول الصغار بأوهامها، نجد وزارة التربية في المحافظات المحررة تقف عاجزة حتى عن توفير الورق وطباعة الكتاب المدرسي بصيغته القديمة، فكيف لها أن تجرؤ على تطويره أو تخفيف أحماله؟ إن التقاعس عن طباعة الكتاب هو في حقيقته تقاعس عن صيانة السيادة الوطنية في أقدس ميادينها، وهو ترك الساحة التربوية عرضة للجمود في وقت يخوض فيه الطرف الآخر معركة تغيير الهوية بكل إمكاناته.
إننا ندرك، ويدرك الطلاب المنقولون من دول الخليج إلى مدارسنا، حجم الفجوة والمفارقة؛ فبينما تتجه مناهج الجوار نحو الرشاقة والتركيز على المهارات، لا يزال المنهج اليمني يئن تحت وطأة حشو لفظي وتعقيد يجعل الطالب يشعر وكأنه في "معتقل معرفي"، حيث الصعوبة ليست دليلًا على التفوق العلمي بل مؤشرًا على تخلف أدوات الإيصال. وإنني حين أدعو لهذا التبسيط، لا أتحدث من فراغ النظريات، بل من واقع تجربة مريرة وشخصية خضتها في "تشريح" وتبسيط مواد الفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع والاقتصاد؛ حيث رأيت كيف تتحول هذه المواد من "طلاسم" ينفر منها الطالب إلى معارف مشوقة بمجرد تنقيتها من الاستطرادات وحذف الحشو الذي لا طائل منه.
لقد أثبتت هذه المبادرة الفردية لي ولغيري من المعلمين الذين قدموا مذكرات ومختصرات أن المنهج الحالي، رغم ثقله، يمكن تطويعه ليصبح جسرًا للفهم لا سياجًا منيعًا، فإذا كان جهد فردي قد أحدث هذا الفرق في أصعب المواد الإنسانية، فما الذي يمنع الوزارة بكل طواقمها من تحويل هذه "الجزيرة الناجحة" إلى قارة تعليمية شاملة؟
معالي الوزير، إن التبسيط الذي ننشده ليس استسهالًا، بل هو "فعل تحرري" يعيد للمعلم كرامته المهنية وللطالب شغفه المفقود، وإنجاز كهذا هو ما سيخلد اسمك في ذاكرة الأجيال؛ فبدلًا من أن نكون وزارة لإدارة العجز المالي، يمكننا أن نكون أول من أجاب عمليًّا على سؤال:"كيف نحبب المدرسة إلى قلوب الصغار؟".
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بقرار يشكل لجان تبسيط تملك قدرة "الإيصال" لا "الاستعراض"، تعيد صياغة المعلومة بلغة عربية سليمة وقريبة من الواقع، وتحذف تلك التشعبات التي لا تخدم سوى الإرباك، مع إلغاء أسئلة "الألغاز" في الامتحانات، وأعتقد أنكم لن تتعبون كثيرا في الحصول على المعلومات فاقتراحات المعلمين والموجهين التي قدمت على مدى عقود تملأ أدراج إدارة المناهج بالوزارة.

















