لا يمكن لوم من تعلّق قلبه برئيس، في شمال اليمن أو جنوبه. فالعلاقة بين القائد وأنصاره تتجاوز في كثير من الأحيان حدود السياسة، لتلامس جانبًا عاطفيًا يشبه تعلق الطفل بأمه؛ يحنّ إليها عند غيابها، وينتظر عودتها مهما طال الزمن.

لكل رئيس أنصار يرونه رمزًا، كما أن له خصومًا يحملون تجاهه مشاعر النقيض. وبين هذا وذاك، يعيش المحب حالة استدعاء دائم للذكريات: مواقف، وخطب، ومهرجانات، ولحظات شعر فيها أن ذلك القائد يمثله ويعبّر عنه. وعندما يغيب القائد، يشعر أن فراغًا كبيرًا قد خُلّف، وأنه لا أحد قادر على ملئه.

غير أن التجربة الإنسانية والسياسية تُظهر أن هذا الفراغ لا يدوم. فمع مرور الوقت، تبدأ الذاكرة في التخفف من ثقلها، ويبحث الناس – بوعي أو بدونه – عن رمز جديد يعلّقون عليه آمالهم. وهكذا تتكرر الدورة: تعلق، فخيبة، فنسيان، فتعلق جديد.

لو حدثت وقائع مثل مقتل قادة تاريخيين في زمن أكثر انفتاحًا إعلاميًا وسياسيًا، لربما استمرت الاحتجاجات والمطالبات بالعدالة لفترات أطول. لكن الواقع، في ظل القمع أو التحولات السياسية، يسرّع من عملية الانتقال من زعيم إلى آخر، ومن رمز إلى بديل.

إن السماح لأنصار أي قائد بالتعبير عن مشاعرهم لا ينبغي أن يُقابل بالاستنكار، بل بالفهم. فهذه الحالة، مهما بدت متطرفة، هي جزء من طبيعة المجتمعات. لكنها في الوقت ذاته تذكير بأن العاطفة وحدها لا تصنع وعيًا سياسيًا ناضجًا.

العبرة ليست في من نحب، بل في لماذا نحب، وماذا قدّم هذا القائد لشعبه. فالعاقل لا يعلّق قلبه إلا بمن ترك أثرًا حقيقيًا، لا بمن صنعته اللحظة أو غذّته الشعارات.

في النهاية، الشعوب هي من ترفع القادة، وهي ذاتها من تخفضهم. وتلك سنّة تتكرر، لا يتجاوزها إلا من اتعظ وقرأ التاريخ بعينٍ ناقدة، لا بعاطفةٍ مجردة.