لم يعد التطرف في وطننا العربي ضيفًا يأتي موسميًّا ثم يرحل؛ بل صار نسيجًا يوميًّا ينسج خيوطه في كل تفاصيل حياتنا: في المسجد، في المنبر السياسي، في الشارع، وحتى في علاقاتنا الشخصية.
تغلغل الغلو في ديننا حتى صار البعض يحسب أن التدين يعني التصلب، واستشرى التطرف في سياساتنا حتى أصبح الحوار مع الآخر كفرًا أو خيانة، وامتدت العصبية إلى أحزابنا وتياراتنا فما عاد هناك متسع لرأي مختلف.
كل فريق بات يرى نفسه وحده صاحب الحقيقة المطلقة، والآخر إما ضال أو عميل أو خائن.
في هذا الجو المشحون، اختنقت كلمة "ربما" أو "الله اعلم" ، وماتت روح "لعلّهم يفقهون"، وتحولت الاختلافات التي كان من الممكن أن تكون ثراءً إلى حروب صغيرة تلتهم الأخضر واليابس.
أصبحنا نعيش في دوائر مغلقة، كل دائرة تردد شعارها الخاص، وأصبح السؤال الأكبر ليس "كيف ننهض؟" بل "من على حق؟".
في خضم هذا الاحتقان، نفتقد شيئًا أساسيًا هو الميزان، ذلك الشيء الذي يمنع الأفكار من التحول إلى وباء.
حين تلتقي ذاكرة مؤلمة بأحلام لا تزال في طور التكوين، نلاحظ اليوم ظاهرة تستحق التوقف وهي تراجع لغة الوسط.
ليس المقصود بالوسطية هنا مساومة أو تخفيفًا للثوابت، بل هي ذلك الميزان الذي يحفظ للأفكار توازنها، ويمنعها من التحول إلى أدوات احتراق.
لا يخلو أي مجتمع من تيارات متطرفة، لكن ما يلفت الانتباه راهنًا هو تحول هذا التطرف من هامش عابر إلى أسلوب طاغٍ.
صار الخطاب الحاد هو اللغة السائدة، بينما بات صوت الاعتدال يتحدث وكأنه يبحث عن أذن صاغية في زحام.
في الخطاب الشعبوي، يضيق المكان بالعقل وبالسياسة ذاتها.
والسياسة — في جوهرها — فعل متحرك لا يعرف الجمود. هي ليست معادلة حسابية كواحد زائد واحد يساوي اثنين، ولا تعترف بالخط المستقيم الجامد؛ طريقها متعرج، ومن لا يتقن المشي على هذا الطريق قد يضيع في دهاليزه.
ثمة حقيقة بسيطة لكنها عميقة: سياسة "فكّر كما أفكر" ليست سياسة، لأن الاختلاف سُنة كونية.
تأمل يديك اليمنى واليسرى مختلفتان، لكنهما لم تتحولا إلى عدوين، بل صارتا متكاملتين. تضييق الخيارات ليس حكمة، بل هو طريق مسدود.
الرسول الكريم ﷺ، في أعظم فتح عرفه التاريخ — فتح مكة — لم يغلق الأبواب، بل فتحها على مصراعيها. قال: "من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته فأغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن".
إنها دعوة صامتة إلى أن الحكمة تكمن في صنع مساحات للجميع، لا في إقصاء المخالف.
ونبي الله يعقوب ﷺ، حين خشي على أبنائه، لم يأمرهم بالدخول من باب واحد وكأنهم جسد واحد، بل قال: "يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة" (يوسف: 67). إنها وصية إلهية مبكرة بأن التنوع في الطرق ليس ضعفًا بل قوة، وأن التعدد ليس تهديداً بل تعزيزاً للجماعة.
بل إن الله سبحانه وتعالى حين أوكل إلى نبيه موسى عليه السلام أعظم مهمة، وهي مواجهة أشد الناس عنادًا واستكبارًا "فرعون"، لم يأمره بالصوت الأجش ولا بالخطاب الحاد ، بل قال له وإلى أخيه هارون: ((اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ)) (طه: 43-44).
إنها وصية إلهية بأن اللين في القول ليس ضعفًا، بل هو أقوى أدوات التأثير، وأن الغلو في الخطاب لا يصنع هداية، بل يزيد الطغيان طغيانًا.
والأعجب أن جسد الإنسان ذاته يقدّم لنا درسًا يوميًا في فضل التوازن، فالسكر في الدم ارتفاعه مرض، وانخفاضه مرض آخر، ضغط الدم هو الآخر علوه خطر، وهبوطه وهن. والإسهال والإمساك — مع اختلافهما — وجهان لعملة واحدة اسمها الخروج عن الاعتدال.
المطر نفسه إن زاد أغرق المدن، وإن قل أصابها الجفاف وأحرقها.
الطبيعة لا تعرف التطرف، لأن التطرف فيها يعني الموت، وهكذا الأفكار فالغيرة الزائدة على المشروع إذا اشتدت، تحولت إلى شك يهدم قبل أن يبني، وإذا انعدمت، صارت خيانة.
الحماسة لأي قضية إذا تجاوزت حدها، صارت تهوّرًا يضحي بالأهداف من أجل الانطباعات؛ وإذا فترت، تحولت إلى خنوع يضعف الحق. والتمسك بالمبادئ إذا غلا، صار غلوًا ينفر الحلفاء؛ وإذا ضعف، صار تفريطًا يضيع الدماء والأحلام.
لقد خلق الله في عروقنا درسًا وفي أنفاسنا موعظة الاستقامة في الوسطية، فمن تطرف في السياسة ظن أنه يعزز القضية وهو يفتتها، ومن فرّط ظن أنه يتجنب الصدام، فإذا به يفرّط بالأمانة.
الوسطية التي نتحدث عنها ليست جبنًا ولا تمييعًا، هي ذلك العقل الحر الذي يعلو على غبار المعارك اللفظية، ويدرك أن الدول لا تُبنى بانفعال عابر، ولا تصلح بجمود جامد؛ هي الميزان الذي ضبطه الخالق في دمنا قبل أن يضبطه في كلامنا.
الوسطية أن تكون صلبًا في أهدافك، مرنًا في وسائلك، أن تحافظ على الحلم دون أن تحترق به، وأن تترك لغيرك بابًا يدخل منه — كما ترك لنا الأنبياء درس التعدد قبل أن تصبح نظرية سياسية.
فالسؤال الذي يستحق التأمل إذا كان سكر دمك معتدلًا، وضغط دمك معتدلًا، ومطر سمائك يأتي في موعده، ورسول الله عدد الخيارات في فتح مكة للأمان، ونبي الله يعقوب أمر بأبواب متفرقة — فلماذا نصر على أن يكون فكرنا السياسي في حالة صراع دائم بين غلو يحرق وتفريط يخمد؟ ولماذا باب واحد لا يدخل منه إلا من يشبهنا؟
ربما حان الوقت لنقول لأنفسنا، بهدوء تأملوا درس أجسادكم، وتأملوا وصية أنبيائك؛ فالطريق إلى المستقبل لا يمر من بوابات التطرف، بل من ممر الوسط الضيق الذي يتسع للحلم دون أن يضيق بأحد آخر — ومن أبواب متعددة تليق بتنوع أبناء هذا الوطن الذي نريد.
تغلغل الغلو في ديننا حتى صار البعض يحسب أن التدين يعني التصلب، واستشرى التطرف في سياساتنا حتى أصبح الحوار مع الآخر كفرًا أو خيانة، وامتدت العصبية إلى أحزابنا وتياراتنا فما عاد هناك متسع لرأي مختلف.
كل فريق بات يرى نفسه وحده صاحب الحقيقة المطلقة، والآخر إما ضال أو عميل أو خائن.
في هذا الجو المشحون، اختنقت كلمة "ربما" أو "الله اعلم" ، وماتت روح "لعلّهم يفقهون"، وتحولت الاختلافات التي كان من الممكن أن تكون ثراءً إلى حروب صغيرة تلتهم الأخضر واليابس.
أصبحنا نعيش في دوائر مغلقة، كل دائرة تردد شعارها الخاص، وأصبح السؤال الأكبر ليس "كيف ننهض؟" بل "من على حق؟".
في خضم هذا الاحتقان، نفتقد شيئًا أساسيًا هو الميزان، ذلك الشيء الذي يمنع الأفكار من التحول إلى وباء.
حين تلتقي ذاكرة مؤلمة بأحلام لا تزال في طور التكوين، نلاحظ اليوم ظاهرة تستحق التوقف وهي تراجع لغة الوسط.
ليس المقصود بالوسطية هنا مساومة أو تخفيفًا للثوابت، بل هي ذلك الميزان الذي يحفظ للأفكار توازنها، ويمنعها من التحول إلى أدوات احتراق.
لا يخلو أي مجتمع من تيارات متطرفة، لكن ما يلفت الانتباه راهنًا هو تحول هذا التطرف من هامش عابر إلى أسلوب طاغٍ.
صار الخطاب الحاد هو اللغة السائدة، بينما بات صوت الاعتدال يتحدث وكأنه يبحث عن أذن صاغية في زحام.
في الخطاب الشعبوي، يضيق المكان بالعقل وبالسياسة ذاتها.
والسياسة — في جوهرها — فعل متحرك لا يعرف الجمود. هي ليست معادلة حسابية كواحد زائد واحد يساوي اثنين، ولا تعترف بالخط المستقيم الجامد؛ طريقها متعرج، ومن لا يتقن المشي على هذا الطريق قد يضيع في دهاليزه.
ثمة حقيقة بسيطة لكنها عميقة: سياسة "فكّر كما أفكر" ليست سياسة، لأن الاختلاف سُنة كونية.
تأمل يديك اليمنى واليسرى مختلفتان، لكنهما لم تتحولا إلى عدوين، بل صارتا متكاملتين. تضييق الخيارات ليس حكمة، بل هو طريق مسدود.
الرسول الكريم ﷺ، في أعظم فتح عرفه التاريخ — فتح مكة — لم يغلق الأبواب، بل فتحها على مصراعيها. قال: "من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته فأغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن".
إنها دعوة صامتة إلى أن الحكمة تكمن في صنع مساحات للجميع، لا في إقصاء المخالف.
ونبي الله يعقوب ﷺ، حين خشي على أبنائه، لم يأمرهم بالدخول من باب واحد وكأنهم جسد واحد، بل قال: "يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة" (يوسف: 67). إنها وصية إلهية مبكرة بأن التنوع في الطرق ليس ضعفًا بل قوة، وأن التعدد ليس تهديداً بل تعزيزاً للجماعة.
بل إن الله سبحانه وتعالى حين أوكل إلى نبيه موسى عليه السلام أعظم مهمة، وهي مواجهة أشد الناس عنادًا واستكبارًا "فرعون"، لم يأمره بالصوت الأجش ولا بالخطاب الحاد ، بل قال له وإلى أخيه هارون: ((اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ)) (طه: 43-44).
إنها وصية إلهية بأن اللين في القول ليس ضعفًا، بل هو أقوى أدوات التأثير، وأن الغلو في الخطاب لا يصنع هداية، بل يزيد الطغيان طغيانًا.
والأعجب أن جسد الإنسان ذاته يقدّم لنا درسًا يوميًا في فضل التوازن، فالسكر في الدم ارتفاعه مرض، وانخفاضه مرض آخر، ضغط الدم هو الآخر علوه خطر، وهبوطه وهن. والإسهال والإمساك — مع اختلافهما — وجهان لعملة واحدة اسمها الخروج عن الاعتدال.
المطر نفسه إن زاد أغرق المدن، وإن قل أصابها الجفاف وأحرقها.
الطبيعة لا تعرف التطرف، لأن التطرف فيها يعني الموت، وهكذا الأفكار فالغيرة الزائدة على المشروع إذا اشتدت، تحولت إلى شك يهدم قبل أن يبني، وإذا انعدمت، صارت خيانة.
الحماسة لأي قضية إذا تجاوزت حدها، صارت تهوّرًا يضحي بالأهداف من أجل الانطباعات؛ وإذا فترت، تحولت إلى خنوع يضعف الحق. والتمسك بالمبادئ إذا غلا، صار غلوًا ينفر الحلفاء؛ وإذا ضعف، صار تفريطًا يضيع الدماء والأحلام.
لقد خلق الله في عروقنا درسًا وفي أنفاسنا موعظة الاستقامة في الوسطية، فمن تطرف في السياسة ظن أنه يعزز القضية وهو يفتتها، ومن فرّط ظن أنه يتجنب الصدام، فإذا به يفرّط بالأمانة.
الوسطية التي نتحدث عنها ليست جبنًا ولا تمييعًا، هي ذلك العقل الحر الذي يعلو على غبار المعارك اللفظية، ويدرك أن الدول لا تُبنى بانفعال عابر، ولا تصلح بجمود جامد؛ هي الميزان الذي ضبطه الخالق في دمنا قبل أن يضبطه في كلامنا.
الوسطية أن تكون صلبًا في أهدافك، مرنًا في وسائلك، أن تحافظ على الحلم دون أن تحترق به، وأن تترك لغيرك بابًا يدخل منه — كما ترك لنا الأنبياء درس التعدد قبل أن تصبح نظرية سياسية.
فالسؤال الذي يستحق التأمل إذا كان سكر دمك معتدلًا، وضغط دمك معتدلًا، ومطر سمائك يأتي في موعده، ورسول الله عدد الخيارات في فتح مكة للأمان، ونبي الله يعقوب أمر بأبواب متفرقة — فلماذا نصر على أن يكون فكرنا السياسي في حالة صراع دائم بين غلو يحرق وتفريط يخمد؟ ولماذا باب واحد لا يدخل منه إلا من يشبهنا؟
ربما حان الوقت لنقول لأنفسنا، بهدوء تأملوا درس أجسادكم، وتأملوا وصية أنبيائك؛ فالطريق إلى المستقبل لا يمر من بوابات التطرف، بل من ممر الوسط الضيق الذي يتسع للحلم دون أن يضيق بأحد آخر — ومن أبواب متعددة تليق بتنوع أبناء هذا الوطن الذي نريد.



















