حينما أنشأت بريطانيا ما سُمّي بـ«اتحاد الجنوب العربي» كانت تنظر إليه بوصفه صيغة تضمن استمرار نفوذها في الجنوب وتحافظ على مصالحها الاستراتيجية، ولذلك تعاملت معه القوى الوطنية الجنوبية باعتباره مشروعًا استعماريًّا يهدف إلى إعاقة التحرر الوطني وإجهاض الحلم اليمني بالوحدة الذي كان متجذرًا في وجدان اليمنيين شمالاً وجنوباً. ولهذا ارتبط الاتحاد في الوعي السياسي آنذاك بالاستعمار أكثر من ارتباطه بفكرة التنظيم الإداري أو الحكم المحلي.
لكن القراءة الهادئة للتاريخ بعد عقود تفتح باباً للتأمل في جانب آخر من التجربة. فهذه الكيانات التي ضمها الاتحاد — رغم طابعها التقليدي وسلبيات المرحلة — كانت تمثل واقعًا اجتماعيًّا وتاريخيًّا متنوعًا تشكل عبر قرون طويلة، واستطاعت تلك المناطق أن تعيش ضمن توازنات محلية مستقرة نسبياً دون حروب مناطقية دامية كالتي عرفها الجنوب لاحقًا.
ربما كان بالإمكان بعد الاستقلال إعادة صياغة تلك البنية في إطار وطني حديث، لا يقوم على السلطنات والمشيخات، بل على نظام اتحادي أو ولايات إدارية تحت مظلة دولة مدنية واحدة، تحفظ الخصوصيات المحلية وتمنع تركز السلطة في يد مركز واحد. فالدول الحديثة لا تُبنى دائماً بهدم كل ما سبقها، بل أحياناً بإعادة توظيف البنى التاريخية ضمن مشروع وطني جامع.
لقد أدى إلغاء تلك الكيانات بصورة جذرية وفرض مركزية سياسية صارمة إلى إنتاج حساسيات مناطقية ظلت كامنة ثم انفجرت لاحقاً، خصوصاً بعد أحداث مقتل الرئيس سالم ربيع علي “سالمين”، لتدخل مناطق الجنوب في دوامات من الشك والصراع والتنافس السياسي الذي ما يزال يتناسل بأشكال مختلفة حتى اليوم.
ومن هنا تبدو فكرة الدولة الاتحادية اليوم أقرب إلى ضرورة تاريخية منها إلى مجرد خيار سياسي. فنجاح أي مشروع اتحادي في الجنوب أو في اليمن عموماً يتطلب فهماً عميقاً لطبيعة التكوين الاجتماعي والتاريخي للمناطق المختلفة، واحترام خصوصياتها، ومنحها شراكة حقيقية في السلطة والثروة، بدلاً من إعادة إنتاج المركزية التي أثبتت التجربة أنها تُراكم الاحتقان أكثر مما تصنع الاستقرار.
إن المجتمعات الجنوبية، عبر تاريخها الطويل، عاشت في إطار تنوعها المحلي دون نزاعات وجودية كبرى، وكانت الروابط الاجتماعية والمصالح المشتركة قادرة على ضبط العلاقة بين تلك الكيانات. ولذلك فإن أي دولة اتحادية منشودة ينبغي أن تستلهم هذا الدرس التاريخي: وحدة تقوم على الشراكة والاعتراف بالتنوع، لا على الإلغاء والهيمنة.
لكن القراءة الهادئة للتاريخ بعد عقود تفتح باباً للتأمل في جانب آخر من التجربة. فهذه الكيانات التي ضمها الاتحاد — رغم طابعها التقليدي وسلبيات المرحلة — كانت تمثل واقعًا اجتماعيًّا وتاريخيًّا متنوعًا تشكل عبر قرون طويلة، واستطاعت تلك المناطق أن تعيش ضمن توازنات محلية مستقرة نسبياً دون حروب مناطقية دامية كالتي عرفها الجنوب لاحقًا.
ربما كان بالإمكان بعد الاستقلال إعادة صياغة تلك البنية في إطار وطني حديث، لا يقوم على السلطنات والمشيخات، بل على نظام اتحادي أو ولايات إدارية تحت مظلة دولة مدنية واحدة، تحفظ الخصوصيات المحلية وتمنع تركز السلطة في يد مركز واحد. فالدول الحديثة لا تُبنى دائماً بهدم كل ما سبقها، بل أحياناً بإعادة توظيف البنى التاريخية ضمن مشروع وطني جامع.
لقد أدى إلغاء تلك الكيانات بصورة جذرية وفرض مركزية سياسية صارمة إلى إنتاج حساسيات مناطقية ظلت كامنة ثم انفجرت لاحقاً، خصوصاً بعد أحداث مقتل الرئيس سالم ربيع علي “سالمين”، لتدخل مناطق الجنوب في دوامات من الشك والصراع والتنافس السياسي الذي ما يزال يتناسل بأشكال مختلفة حتى اليوم.
ومن هنا تبدو فكرة الدولة الاتحادية اليوم أقرب إلى ضرورة تاريخية منها إلى مجرد خيار سياسي. فنجاح أي مشروع اتحادي في الجنوب أو في اليمن عموماً يتطلب فهماً عميقاً لطبيعة التكوين الاجتماعي والتاريخي للمناطق المختلفة، واحترام خصوصياتها، ومنحها شراكة حقيقية في السلطة والثروة، بدلاً من إعادة إنتاج المركزية التي أثبتت التجربة أنها تُراكم الاحتقان أكثر مما تصنع الاستقرار.
إن المجتمعات الجنوبية، عبر تاريخها الطويل، عاشت في إطار تنوعها المحلي دون نزاعات وجودية كبرى، وكانت الروابط الاجتماعية والمصالح المشتركة قادرة على ضبط العلاقة بين تلك الكيانات. ولذلك فإن أي دولة اتحادية منشودة ينبغي أن تستلهم هذا الدرس التاريخي: وحدة تقوم على الشراكة والاعتراف بالتنوع، لا على الإلغاء والهيمنة.


















