لا يبدو الفساد في اليمن، سواء صنعاء أو في المحافظات المحررة كما تسمى، مجرد ممارسة عابرة بقدر ما هو ثقافة متجذرة في بنية السلطة، بل ازدادت توغلت أو تغولت على مدى عقود، واليوم يطل علينا محافظ أبين الدكتور مختار الرباش بخطوة تبدو في ظاهرها إجرائية، لكنها في العمق تثير أسئلة الكينونة السياسية المفقودة، فتقديم إقرار الذمة المالية في مناخٍ كهذا يشبه إلى حد بعيد غرس شجرة في صحراء قاحلة، ومع ذلك، تظل للرمزية سطوتها التي لا يمكن إنكارها.

إن الإقرار في جوهره ليس مجرد ورقة تُملأ ببيانات الأصول والخصوم (الديون)، بل هو تجسيد لثقافة المساءلة التي يفتقدها العمل العام، وهي الشجاعة ذاتها التي تجلت في موقف الراحل عبدالقادر هلال إبان توليه محافظة حضرموت، حين كسر جدار الصمت والبيروقراطية بتقديمه إقرارًا علنيًا لبراءة ذمته، في خطوة لم تكن مجرد امتثال لنص قانوني بقدر ما كانت رسالة أخلاقية أراد من خلالها إرساء أدب سياسي رفيع، يضع المسؤول أمام مرآة المجتمع قبل مرآة القانون، ويجعل من الشفافية حصناً للمسؤول لا قيدًا عليه.

إنه إعلان أخلاقي ومحاولة لاستعادة تعريف المسؤول بوصفه خادماً للمجال العام لا مالكاً له، وللتذكير بأن المال العام أمانة لا غنيمة حرب، غير أن السؤال المرير الذي يقفز إلى الواجهة يتجاوز شخص المحافظ ومبادرته، ليصطدم بحقيقة تحوّل القانون إلى حبر على ورق، وتحوّل الهيئات الرقابية إلى مجرد ديكور سياسي لتزيين ملامح السلطة القبيحة.

كما إن الذاكرة السياسية اليمنية لا تزال تحتفظ بمرارة تجربة رئيس الوزراء الراحل فرج بن غانم، الذي حاول قبل عقود أن يؤسس لهذا المبدأ ويفرضه على طاقمه الوزاري، فجوبه برفضٍ صلد انتهى باستقالته الشهيرة، تلك التي كانت في توقيتها بمثابة شهادة وفاة مبكرة لفكرة النزاهة المؤسسية، واليوم، حين يعيد الرباش فتح الدفتر ذاته، فإنه يفعل ذلك في ظروف أشد قسوة وتعقيدًا، حيث الدولة نفسها تعيش في حالة من "الأطلال" السياسية، وحيث يواجه المنطق المؤسسي جداراً سميكاً من المعوقات، تبدأ بمسؤولين يرون في المنصب فرصة تاريخية للثراء السريع، ولا تنتهي عند هيئة مكافحة فساد بلا أنياب أو استقلالية، في ظل مجتمع أنهكته الحروب والصراعات حتى صار الفساد لديه مجرد تفصيل صغير أمام هول الكوارث اليومية الكبرى.

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من شأن هذه المبادرة وإن بدت معزولة أو"رومانسية" في نظر البعض، فهي تصلح كشرارة لإعادة إحياء النقاش العام الموءود حول معنى المسؤولية والواجب، وتذكير بليغ بأن النزاهة ليست وهماً أو حلماً مستحيلاً، بل هي خيار شخصي منحاز للقيم يمكن أن يبدأ من فرد، حتى وإن تعثر تحويله إلى سياسة عامة عابرة للمؤسسات، لكن الحقيقة العارية تظل تفرض نفسها، وهي أن إقرار الذمة المالية في اليمن سيبقى أقرب إلى "القصيدة الأخلاقية" منه إلى الممارسة العملية الردعية، ما لم تسنده إرادة سياسية جماعية وقضاء مستقل تماماً، ومجتمع مدني يملك الجرأة للصراخ في وجه الفساد دون مواربة، إنها خطوة تستحق الاحترام لشجاعتها، لكنها في الوقت ذاته تفضح هشاشة النظام القائم، وتؤكد أن النزاهة في بلادنا لا تزال مجرد "مبادرة شخصية" فدائية، ولم ترتقِ بعد لتصبح مؤسسة وطنية تحمي ما تبقى من حطام الدولة.