مرة أخرى عادت القرصنة إلى خليج عدن والبحر الأحمر وبنشاط واسع يتجاوز كونه تطور أمني عابر يمكن احتواؤه عبر الدوريات البحرية أو بيانات القلق الدولية، بل باتت تعكس بصورة عميقة حجم الانهيار الجيوسياسي الذي تعيشه المنطقة، خصوصاً في جنوب اليمن، الذي تحول خلال العام الجاري إلى مساحة رخوة مفتوحة على الفوضى والصراعات المتعددة، بفعل سياسات إقليمية متضاربة قادتها السعودية تحت عناوين باهتة ومبررات لا منطق لها، لكنها انتهت عملياً إلى تفكيك البنية الأمنية والعسكرية في الجنوب وإنتاج واقع هش يهدد أمن واحد من أهم الممرات البحرية في العالم..
فمنذ تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن عام 2015، لم يتم بناء منظومة أمنية مستقرة في المناطق الجنوبية والساحلية المطلة على خليج عدن والبحر الأحمر، بل جرى ـ وفق مراقبين ـ تكريس حالة التشظي عبر إنشاء ودعم تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة الولاءات، متنافسة النفوذ، ومتصادمة الأجندات، الأمر الذي أضعف سلطة المؤسسات الرسمية وخلق فراغاً أمنياً واسعاً امتد من السواحل اليمنية إلى عمق الممرات البحرية الدولية، قبل أن تنتظم قوة موحدة وهي القوات الجنوبية التي كانت بدأت بفرض هيمنتها على امتداد مساحة واسعة واستطاعت إلى حد ما في فرض بعض الاستقرار الأمني على الممر البحري الدولي قبل أن تعود السعودية لضرب تلك القوة وتعمل على تفكيكها ومحاولة بناء قوة بديلة أكثر ولاء للرياض ركزت عند إعدادها على أهمية الطاعة لها بدلاً من تدريبها وإعدادها لتأمين المنطقة..
هذا الفراغ لم يبق محصوراً داخل الجغرافيا اليمنية، بل بدأ ينعكس تدريجياً على أمن الملاحة الدولية، مع عودة القراصنة الصوماليين إلى النشاط بصورة لافتة للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. فعمليات اختطاف ناقلات النفط وسفن الشحن قبالة سواحل بونتلاند الصومالية لا يمكن قراءتها بمعزل عن الانهيار الإقليمي المحيط بخليج عدن، حيث باتت المياه الممتدة بين جنوب اليمن والقرن الأفريقي تعاني من تراجع واضح في الرقابة البحرية، وانشغال القوى الدولية بصراعات أخرى أكثر تعقيداً..
لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في عودة القراصنة، بل في احتمال تشكل بيئة تعاون أو تقاطع مصالح بينهم وبين جماعة الحوثيين، التي فرضت خلال الأشهر الماضية واقعاً عسكرياً جديداً في البحر الأحمر عبر استهداف السفن التجارية وربط الملاحة الدولية بمسار الصراع الإقليمي..
ورغم عدم وجود أدلة معلنة حتى الآن على وجود تنسيق مباشر بين الحوثيين وشبكات القرصنة الصومالية، فإن طبيعة المشهد الحالي تفتح الباب أمام احتمالات خطيرة، خصوصاً أن الطرفين يستفيدان من الفوضى البحرية ومن إضعاف سلطة الدول الساحلية. كما أن شبكات التهريب القائمة أصلاً بين القرن الأفريقي واليمن قد توفر البنية اللوجستية اللازمة لأي شكل من أشكال التعاون غير المباشر، سواء عبر تبادل المعلومات أو تسهيل الحركة أو توفير ممرات آمنة عبر المنافذ والمساحات الاكثر هشاشة خصوصاً في ظل الترتيبات العسكرية التي تقودها الرياض التي تعتمد على شخصيات سلفية لا علاقة لها بالامور العسكرية ولا حتى الإدارية بقدر ما هي مرتهنة لعلاقات مشبوهة مع الجماعات المتطرفة التي باتت تتحكم بسواحل القرن الأفريقي ويحتمل تلقيها الدعم نكاية بالامارات العربية المتحدة التي كانت تتواجد هناك وتخوض معارك مع تلك الجماعات إلى نهاية العام الماضي قبل أن تتلقى ضربة سعودية في حضرموت ارغمتها على المغادرة ما أدى إلى ضعف تواجدها في السواحل الأفريقية المقابلة والقريبة من سواحل جنوب اليمن
وهنا وفي حال حدوث تقاطع بين الحوثيين والقراصنة الصوماليين فأن الأمر سيؤدي إلى تحول نوعي في طبيعة التهديد البحري في المنطقة، إذ لن تعود القرصنة مجرد نشاط إجرامي يهدف إلى الابتزاز المالي، بل قد تتحول إلى أداة ضمن صراع جيوسياسي أوسع، تستخدم فيه الجماعات المسلحة الهجمات البحرية للضغط السياسي والاقتصادي وتهديد خطوط الطاقة والتجارة العالمية..
وتزداد خطورة هذا السيناريو في ظل تراجع الدور الفعلي للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وعجزها عن فرض السيطرة على السواحل الجنوبية، مقابل تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة وتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري. كما أن السياسات السعودية التي ركزت خلال السنوات الماضية على إدارة التوازنات المحلية أكثر من بناء مؤسسات دولة مستقرة، أسهمت بصورة مباشرة في إنتاج هذا الواقع الهش الذي بات يهدد أمن المنطقة بأكملها..
وفي المحصلة، تبدو عودة القرصنة إلى خليج عدن والبحر الأحمر مؤشراً على فشل المقاربة الإقليمية التي أدارت الحرب في اليمن طوال السنوات الماضية. فبدلاً من تأمين الممرات الدولية وإعادة بناء الدولة، أنتجت الحرب بيئة مفتوحة للفوضى، تتداخل فيها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتنظيمات العابرة للحدود، في مشهد يعيد المنطقة تدريجياً إلى ما يشبه سنوات الانهيار الكبرى التي سبقت ذروة القرصنة الصومالية مطلع العقد الماضي..
وإذا استمرت حالة التفكك الحالية، فإن البحر الأحمر وخليج عدن قد يتحولان خلال الفترة المقبلة إلى مسرح معقد لتحالفات غير تقليدية بين جماعات مسلحة وقراصنة وشبكات تهريب، الأمر الذي سيجعل أمن الملاحة الدولية رهينة لصراعات محلية وإقليمية تتجاوز بكثير حدود اليمن والصومال والمنطقة برمتها.
فمنذ تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن عام 2015، لم يتم بناء منظومة أمنية مستقرة في المناطق الجنوبية والساحلية المطلة على خليج عدن والبحر الأحمر، بل جرى ـ وفق مراقبين ـ تكريس حالة التشظي عبر إنشاء ودعم تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة الولاءات، متنافسة النفوذ، ومتصادمة الأجندات، الأمر الذي أضعف سلطة المؤسسات الرسمية وخلق فراغاً أمنياً واسعاً امتد من السواحل اليمنية إلى عمق الممرات البحرية الدولية، قبل أن تنتظم قوة موحدة وهي القوات الجنوبية التي كانت بدأت بفرض هيمنتها على امتداد مساحة واسعة واستطاعت إلى حد ما في فرض بعض الاستقرار الأمني على الممر البحري الدولي قبل أن تعود السعودية لضرب تلك القوة وتعمل على تفكيكها ومحاولة بناء قوة بديلة أكثر ولاء للرياض ركزت عند إعدادها على أهمية الطاعة لها بدلاً من تدريبها وإعدادها لتأمين المنطقة..
هذا الفراغ لم يبق محصوراً داخل الجغرافيا اليمنية، بل بدأ ينعكس تدريجياً على أمن الملاحة الدولية، مع عودة القراصنة الصوماليين إلى النشاط بصورة لافتة للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. فعمليات اختطاف ناقلات النفط وسفن الشحن قبالة سواحل بونتلاند الصومالية لا يمكن قراءتها بمعزل عن الانهيار الإقليمي المحيط بخليج عدن، حيث باتت المياه الممتدة بين جنوب اليمن والقرن الأفريقي تعاني من تراجع واضح في الرقابة البحرية، وانشغال القوى الدولية بصراعات أخرى أكثر تعقيداً..
لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في عودة القراصنة، بل في احتمال تشكل بيئة تعاون أو تقاطع مصالح بينهم وبين جماعة الحوثيين، التي فرضت خلال الأشهر الماضية واقعاً عسكرياً جديداً في البحر الأحمر عبر استهداف السفن التجارية وربط الملاحة الدولية بمسار الصراع الإقليمي..
ورغم عدم وجود أدلة معلنة حتى الآن على وجود تنسيق مباشر بين الحوثيين وشبكات القرصنة الصومالية، فإن طبيعة المشهد الحالي تفتح الباب أمام احتمالات خطيرة، خصوصاً أن الطرفين يستفيدان من الفوضى البحرية ومن إضعاف سلطة الدول الساحلية. كما أن شبكات التهريب القائمة أصلاً بين القرن الأفريقي واليمن قد توفر البنية اللوجستية اللازمة لأي شكل من أشكال التعاون غير المباشر، سواء عبر تبادل المعلومات أو تسهيل الحركة أو توفير ممرات آمنة عبر المنافذ والمساحات الاكثر هشاشة خصوصاً في ظل الترتيبات العسكرية التي تقودها الرياض التي تعتمد على شخصيات سلفية لا علاقة لها بالامور العسكرية ولا حتى الإدارية بقدر ما هي مرتهنة لعلاقات مشبوهة مع الجماعات المتطرفة التي باتت تتحكم بسواحل القرن الأفريقي ويحتمل تلقيها الدعم نكاية بالامارات العربية المتحدة التي كانت تتواجد هناك وتخوض معارك مع تلك الجماعات إلى نهاية العام الماضي قبل أن تتلقى ضربة سعودية في حضرموت ارغمتها على المغادرة ما أدى إلى ضعف تواجدها في السواحل الأفريقية المقابلة والقريبة من سواحل جنوب اليمن
وهنا وفي حال حدوث تقاطع بين الحوثيين والقراصنة الصوماليين فأن الأمر سيؤدي إلى تحول نوعي في طبيعة التهديد البحري في المنطقة، إذ لن تعود القرصنة مجرد نشاط إجرامي يهدف إلى الابتزاز المالي، بل قد تتحول إلى أداة ضمن صراع جيوسياسي أوسع، تستخدم فيه الجماعات المسلحة الهجمات البحرية للضغط السياسي والاقتصادي وتهديد خطوط الطاقة والتجارة العالمية..
وتزداد خطورة هذا السيناريو في ظل تراجع الدور الفعلي للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وعجزها عن فرض السيطرة على السواحل الجنوبية، مقابل تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة وتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري. كما أن السياسات السعودية التي ركزت خلال السنوات الماضية على إدارة التوازنات المحلية أكثر من بناء مؤسسات دولة مستقرة، أسهمت بصورة مباشرة في إنتاج هذا الواقع الهش الذي بات يهدد أمن المنطقة بأكملها..
وفي المحصلة، تبدو عودة القرصنة إلى خليج عدن والبحر الأحمر مؤشراً على فشل المقاربة الإقليمية التي أدارت الحرب في اليمن طوال السنوات الماضية. فبدلاً من تأمين الممرات الدولية وإعادة بناء الدولة، أنتجت الحرب بيئة مفتوحة للفوضى، تتداخل فيها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والتنظيمات العابرة للحدود، في مشهد يعيد المنطقة تدريجياً إلى ما يشبه سنوات الانهيار الكبرى التي سبقت ذروة القرصنة الصومالية مطلع العقد الماضي..
وإذا استمرت حالة التفكك الحالية، فإن البحر الأحمر وخليج عدن قد يتحولان خلال الفترة المقبلة إلى مسرح معقد لتحالفات غير تقليدية بين جماعات مسلحة وقراصنة وشبكات تهريب، الأمر الذي سيجعل أمن الملاحة الدولية رهينة لصراعات محلية وإقليمية تتجاوز بكثير حدود اليمن والصومال والمنطقة برمتها.



















