حين تخرج الجماهير بقلوبها الخضراء ونواياها الصافية، ميممةً وجهها شطر الساحات في مليونيات صاخبة، فإنها لا تصنع مجرد حدث سياسي عابر، بل تجدد ميثاقاً غليظاً مع فكرة الخلاص واستعادة الدولة، وهو الميثاق الذي تُرجم يوماً في تسمية "التفويض" لقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي. غير أن التمعن في مفهوم التفويض، بعد قرابة عقد من الزمان، يفرض أسئلة قاسية ومصائر معلقة ترفض الانصياع للشعارات الرنانة؛ فعشر سنوات في عمر الشعوب ليست برهة زمنية عابرة، بل هي حِقبة كفيلة ببناء مدن كاملة من الركام، وتغيير موازين قوى، وإحداث انتقالات جذرية في بنية المجتمعات والدول، لكن الختام المرير لهذا العقد يبدو وكأنه مسار للالتفاف والتفكك، حيث تشظت الكتل الصلبة إلى مجاميع يقرأ المراقب في عيونها قرار الحل العضوي، أو على الأقل، تبدل الوجهات والآراء تحت وطأة العجز والانكسار.
في المقابل، يقف المواطن وجهاً لوجه أمام جحيم يومي مستعر، عنوانه سوء الخدمات وثبات العملة في نقطة الانهيار وتوالي جرعات المشتقات النفطية والارتفاع الجنوني لأسعار سحقت كرامة الإنسان، وهو واقع لم يعد ممكناً تعليقه بالكامل على مشجب "الشرعية الفاسدة" أو قوى الشمال، بل يمتد بظلاله الثقيلة إلى الجنوبيين أنفسهم، الذين يواجهون اليوم مرآة الفساد الداخلي المستشري بلا مواربة.
لقد أتيحت للجنوب فرصة تاريخية تمثلت في "الإدارة الذاتية"، وهي لحظة اختبار حقيقية لتحويل التفويض إلى واقع ملموس، غير أن المحصلة كشفت عن أخطاء إدارية شنيعة، وعن ضعف قيادي بنيوي تجلى بوضوح في لجان المديريات والمحافظات، وفي عجز المجلس عن إدارة ذاته وضبط أدواته، ليتحول المشهد إلى مفارقة موجعة؛ قيادات ونخب في الجمعية الوطنية ومفاصل القرار تقطف المحصول السياسي والمادي، بينما الجماهير وحدها تدفع الثمن، وتستجيب للنداءات بصدقها، دون أن تجد في المقابل إدارة تحمي هذا الصدق أو تستثمره.
إن النظر في الشارع اليوم يكشف عن فجوة هائلة بين وعي الناس وواقعهم، فالكل يعلم أن هناك عدواً يتربص بالجنوب ولا يريد له تحقيق أهدافه، ولكن المعرفة بالعداء لا تعفي من مسؤولية الفشل، فالأوطان لا تدار، والمعارك لا تُخاض، بالمنشورات الافتراضية، أو بكتابة المقالات الإنشائية، أو بالصياح والعويل المستمر في مساحات التواصل الاجتماعي. إن الإدارة، في جوهرها الحقيقي، هي القدرة على الوصول إلى الأهداف المرسومة من خلال العمل الإداري المؤسسي الصحيح، ومن خلال رجال دولة يملكون الكفاءة قبل الولاء، والنزاهة قبل الاستعراض، وبدون هذا العمل المنظم، يغدو الحديث عن استعادة الدولة ضرباً من الأوهام المبددة في فضاء العشوائية.
نحن اليوم نقف بكل أسى أمام واقع مؤلم ومزعج للغاية، واقع تتآكل فيه المنجزات تحت وطأة سوء الخدمات وغياب الرؤية الشاملة، مما يجعلنا نتساءل، بنوع من التوجس والقلق المشروعيْن، عن الوجهة التي نمضي إليها وعن نهاية هذا التيه، فالجماهير التي منحت تفويضها قبل عشر سنوات، لم تفعل ذلك لتشهد ترهل قضيتها أو لتغرق في تفاصيل المعاناة اليومية، بل لترى نموذجاً يُحتذى في البناء والإدارة، وهو التحدي الذي سقطت فيه النخبة حتى الآن، تاركة الشارع يواجه مصيره في مساحة ضيقة وضبابية، لا نكاد ندري، مع كل هذا السوء المحيط، إلى أين ستصل بنا وبقضيتنا في نهاية المطاف.
في المقابل، يقف المواطن وجهاً لوجه أمام جحيم يومي مستعر، عنوانه سوء الخدمات وثبات العملة في نقطة الانهيار وتوالي جرعات المشتقات النفطية والارتفاع الجنوني لأسعار سحقت كرامة الإنسان، وهو واقع لم يعد ممكناً تعليقه بالكامل على مشجب "الشرعية الفاسدة" أو قوى الشمال، بل يمتد بظلاله الثقيلة إلى الجنوبيين أنفسهم، الذين يواجهون اليوم مرآة الفساد الداخلي المستشري بلا مواربة.
لقد أتيحت للجنوب فرصة تاريخية تمثلت في "الإدارة الذاتية"، وهي لحظة اختبار حقيقية لتحويل التفويض إلى واقع ملموس، غير أن المحصلة كشفت عن أخطاء إدارية شنيعة، وعن ضعف قيادي بنيوي تجلى بوضوح في لجان المديريات والمحافظات، وفي عجز المجلس عن إدارة ذاته وضبط أدواته، ليتحول المشهد إلى مفارقة موجعة؛ قيادات ونخب في الجمعية الوطنية ومفاصل القرار تقطف المحصول السياسي والمادي، بينما الجماهير وحدها تدفع الثمن، وتستجيب للنداءات بصدقها، دون أن تجد في المقابل إدارة تحمي هذا الصدق أو تستثمره.
إن النظر في الشارع اليوم يكشف عن فجوة هائلة بين وعي الناس وواقعهم، فالكل يعلم أن هناك عدواً يتربص بالجنوب ولا يريد له تحقيق أهدافه، ولكن المعرفة بالعداء لا تعفي من مسؤولية الفشل، فالأوطان لا تدار، والمعارك لا تُخاض، بالمنشورات الافتراضية، أو بكتابة المقالات الإنشائية، أو بالصياح والعويل المستمر في مساحات التواصل الاجتماعي. إن الإدارة، في جوهرها الحقيقي، هي القدرة على الوصول إلى الأهداف المرسومة من خلال العمل الإداري المؤسسي الصحيح، ومن خلال رجال دولة يملكون الكفاءة قبل الولاء، والنزاهة قبل الاستعراض، وبدون هذا العمل المنظم، يغدو الحديث عن استعادة الدولة ضرباً من الأوهام المبددة في فضاء العشوائية.
نحن اليوم نقف بكل أسى أمام واقع مؤلم ومزعج للغاية، واقع تتآكل فيه المنجزات تحت وطأة سوء الخدمات وغياب الرؤية الشاملة، مما يجعلنا نتساءل، بنوع من التوجس والقلق المشروعيْن، عن الوجهة التي نمضي إليها وعن نهاية هذا التيه، فالجماهير التي منحت تفويضها قبل عشر سنوات، لم تفعل ذلك لتشهد ترهل قضيتها أو لتغرق في تفاصيل المعاناة اليومية، بل لترى نموذجاً يُحتذى في البناء والإدارة، وهو التحدي الذي سقطت فيه النخبة حتى الآن، تاركة الشارع يواجه مصيره في مساحة ضيقة وضبابية، لا نكاد ندري، مع كل هذا السوء المحيط، إلى أين ستصل بنا وبقضيتنا في نهاية المطاف.

















