- صوت حضرموت أم صدى السلطة؟
وتأسيسًا على هذا التمييز المفهومي، تتبدى الإشكالية الأساسية في صورتها الأوضح: فالقضية ليست في وجود الحضرمي داخل السلطة، بل في طبيعة الدور الذي يؤديه ومن يمثل هذا الوجود فعلًا: فهل يشكل امتدادًا لمجتمعه داخل مراكز القرار، أم امتدادًا لمراكز القرار داخل مجتمعه؟ وهل تتحول مواقعه إلى قناة تنقل مطالب حضرموت وتؤثر في السياسات العامة، أم إلى أداة لتمرير سياسات صيغت خارجها؟ هنا يتحدد الفارق بين شراكة سياسية تتيح المشاركة في توجيه القرار، وبين حضور وظيفي لا يتجاوز حدود التنفيذ والتسويق والتبرير.
غير أن هذا التمييز على وضوحه، يفرض معيارًا أدق للحكم: فمعيار التمثيل الحقيقي لا يُقاس بعدد الأسماء أو رمزية الحضور، بل بمقدار ما يتيحه من تأثير في القرار وقدرة على حماية المصالح الجامعة وترجمتها إلى سياسات عملية.. فالسلطة قادرة دائمًا على إيجاد من يمثلها في حضرموت، أما التحدي الأصعب فهو إيجاد من يجعل من موقعه في السلطة أداة لتمثيل حضرموت نفسها. وبين الأمْرين فرق يصنع الفارق بين الشراكة والتبعية، وبين المشاركة في رسم الخيارات والاكتفاء بالتكيف معها.
وتتجلى أهمية هذا المعيار بوضوح عند النظر إلى قضية حقوق حضرموت.. فهذه القضية لا تختبر حجم الحضور الحضرمي في السلطة بقدر ما تختبر جدواه. إذ لا قيمة لوجود أبناء حضرموت في مواقع القرار ما لم ينعكس ذلك في قدرتهم على تحويل حقوق مجتمعهم ومطالبه إلى سياسات وقرارات نافذة. وهنا يغدو السؤال الحقيقي أبعد من مجرد شاغلي المناصب ليطال الشروط التي تجعل من هذا الحضور تعبيرًا عن شراكة فعلية في صناعة القرار.. فالحقوق لا تصونها الرموز والألقاب، وإنما تصونها القدرة على الفعل بما يخدم المصالح الجامعة، التي يفترض أن يمثلها أصحاب تلك المواقع، وعند هذه النقطة تحديدًا يتكشف الفرق بين حضور يمنح أصحابه موقعًا في السلطة، وحضور يمنح حضرموت مكانًا في القرار.
- شروط إنتاج الإرادة الحضرمية سياسيًا:
ويأتي في مقدمة هذه الشروط وجود رافعة اجتماعية وسياسية حضرمية جامعة، تستمد مشروعيتها من توافق حضرمي واسع، لا من ادعاءات التمثيل أو فرض الأمر الواقع بدعم إقليمي أو حزبي أو غيره. فالحقوق، مهما أُحكمت صياغتها الدستورية والقانونية، لا يحميها النص وحده، بل يحميها ما ينعقد حولها من إجماع مجتمعي. ومن دون هذا الإجماع ستظل الساحة مفتوحة أمام التنافس على الحديث باسم حضرموت، ومحاولات الانفراد برمزية تمثيلها من قبل هذا أو ذاك.
وعلى قاعدة هذا التوافق، يبرز شرط لا يقل أهمية عن سابقه، يتمثل في تحديد واضح ومتفق عليه لطبيعة حقوق حضرموت وعلاقتها بالسلطة المركزية؛ إذ لا يستقيم البحث في تمثيل حضرموت قبل الاتفاق على الحقوق التي يُراد تمثيلها والدفاع عنها، ولا معنى للسؤال عمن يمثلها قبل حسم السؤال المتعلق بما تمثله وما تسعى إلى تحقيقه.
ومن هذا التحديد للشرطين أعلاه، تنشأ الحاجة إلى الشرط الثالث والكامنة في مرجعية دستورية وقانونية يجري التوافق والتفاوض عليها مع السلطات المركزية، بما يحدد الحقوق والاختصاصات والصلاحيات والالتزامات على نحو لا يترك مجالًا للتأويل أو الانتقاص. فلا شراكة في القرار من دون أساس قانوني واضح تستند إليه، ولا ضمانة لاستمرارها من دون حدود وضوابط متفق عليها، بالاستعانة بمن يلزم من خبرات وكفاءات علمية وقانونية من الداخل والخارج في هذه المجالات. ولا تنحصر وظيفة هذه المرجعية في إضفاء الشرعية، بل تتجاوز ذلك إلى حراستها؛ عبر مراقبة ممثليها ومساءلتهم، وصون المصالح الحضرمية الجامعة من الارتهان للاعتبارات الشخصية أو الفئوية أو لمصالح الجهات التي أسهمت في وصولهم إلى مواقعهم. وهي في المقابل، مرجعٌ للاحتكام في مساءلة السلطة المركزية عن التزاماتها وحقوق حضرموت المستحقة منها.
- تموضع حضرموت السياسي .. حين يعجز المنطق عن تفسير السياسة
ولعل تحديد الموقف من التموضع السياسي لحضرموت يُعدّ من أخطر ما أسهم في إرباك ملف حقوق حضرموت وملفات أخرى، بل والمشهد اليمني برمته، وذلك عبر القفز على واقع القضية الجنوبية بوصفها أحد أهم معطيات الأزمة اليمنية القائمة وأبرز محددات مآلاتها السياسية، والتعامل معها كما لو أنها معطى يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه بمشاريع بديلة جرى الترويج لها تحت عناوين تخص حضرموت. وقد وصل الأمر أحيانًا إلى حصر الخيارات بين أن تكون حضرموت إقليمًا في دولة يمنية موحدة أو دولة مستقلة بذاتها، وكأن هذين الخيارين يستنفدان جميع الاحتمالات والخيارات السياسية الممكنة، مع استبعاد خيار تموضعها ضمن الدولة الجنوبية أو ضمن صيغ مختلفة من الحكم الذاتي أو اللامركزية في إطار دولة الجنوب المأمولة.
ويزداد هذا الطرح إشكالًا حين يُقدَّم بوصفه تصورًا سياسيًا متماسكًا، رغم ما يكتنفه من تناقضات ومفارقات ومغالطات يصعب تجاوزها، بل وحتى استيعاب منطقها الداخلي: إذ، إذا كان من المقبول أن تكون حضرموت إقليمًا ضمن دولة يمنية مركزها صنعاء، فما الذي يجعل تموضعها ضمن إطار جنوبي خيارًا مستبعدًا من الأصل؟ وهل حضرموت أقرب، سياسيًا وجغرافيًا وتاريخيًا، إلى صنعاء منها إلى عدن؟ وهل روابطها بالمحافظات الجنوبية أضعف من روابطها بالمحافظات الشمالية؟ ثم كيف يمكن تصور هذا الخيار عمليًا إذا ما أُخذ به؟ أسيجري «ربطٌ هوائي» بين حضرموت وصنعاء يتجاوز الجغرافيا والواقع السياسي معًا، وكأن المحافظات والمناطق الجنوبية الواقعة بينهما قد شُطبت من الخريطة أو أُخرجت من معادلة التفكير السياسي؛ لمجرد أنها لا تنسجم مع التصور الذي يتبناه طرف بعينه أو لا تخدم الغاية التي يسعى إلى تمريرها؟!
وتتعمق هذه المفارقة حين يُلاحظ أن القوى اليمنية التي أبدت حماسة لهذه المشاريع لا تزال، في مجملها، ترفض أي مسار يقود إلى فك ارتباط الجنوب أو استعادة دولته السابقة، وتتمسك بالوحدة اليمنية بوصفها السقف النهائي للحل، ويأتي حزب التجمع اليمني للإصلاح في طليعة هذه القوى. وهنا تساؤل يصعب القفز عليه: كيف يمكن التوفيق بين رفض خروج الجنوب من الوحدة من جهة، وبين القبول بخروج حضرموت وحدها من الجنوب من جهة أخرى؟ وكيف يستقيم التسليم بقيام دولة حضرموت مستقلة ـ وإن تم التنازل إلى مشروع الحكم الذاتي مؤخرًا ــ مع رفض استعادة دولة الجنوب بأكملها؟ بل إن من مقتضيات الاتساق السياسي ــ إن كانت هذه القوى جادة فعلًا في تبني هذا المشروع ــ أن ينعكس ذلك على مواقفها التنظيمية والسياسية بصورة لا لبس فيها، وأن يبادر المنتمون إليها إلى مراجعة ارتباطهم السياسي بالأحزاب التي ترفض فك ارتباط الجنوب من الوحدة و تؤثمه سياسيًا، ويتبنوا صراحة المشروع الذي يعلنون تأييده، وذلك بإعلان فك ارتباطهم تنظيميًّا من أحزابهم هذه؛ حفاظًا على مصداقيتهم أمام شعبهم وأهلهم في حضرموت.. عندها فقط يمكن للرأي العام أن يختبر جدية هذه المواقف واتساقها، وأن يُميّز بين القناعة السياسية الحقيقية وبين الاستخدام التكتيكي للشعارات.
إلاّ أن إشكالية هذا التناقض في الخطاب السياسي والإعلامي لأصحابه لم تكن اعتباطية أو مجرد اجتهاد سياسي عابر، بل صُممت لتقوم بوظيفة سياسية إعلامية تعبوية داخل الساحة الحضرمية والجنوبية؛ وفضلاً عن هدفها في إرباك المشهد برمته، إذ أنها أيضًا تُرفع في وجه كل من يدعو إلى مقاربات أكثر اتزان في قراءة موازين القوى في تحديد التموضع السياسي الممكن والواقعي لحضرموت ضمن التسويات النهائية للأزمة اليمنية، ليتم وصمه ووصفه كخصمٍ وعدوٍ لحضرموت أو منتقصًا من حقوقها؛ بغية عزل هذه الأصوات واغتيالها معنويًا، وليفسح المجال للاستفراد بالساحة الحضرمية وتوجيه المزاج العام بعيدًا عن نقاشات موضوعية تنفتح على كل الخيارات للمفاضلة بينها وفق معيار ما يعظم مصالح حضرموت عن غيره.. هذا النهج الذي لن تكون نهايته وغايته الحتمية سوى خدمة استراتيجية نخب الهضبة الزيدية في استدامة هيمنتها على ثروات الجنوب وحضرموت.
وعليه، فإن مثل هذه التساؤلات ينبغي قراءتها بعيدًا عن استهداف ترجيح خيار سياسي بعينه على غيره، بقدر ما تدعو إلى مقاربة أكثر اتساقًا وأقل خضوعًا لسطوة الشعارات أو للمشاريع التي يجري الترويج لها، رغم إدراك أصحابها قبل غيرهم لمحدودية قابليتها للتحقق في ظل موازين القوى القائمة والمعطيات الإقليمية والدولية الراهنة. فلن تقود أي مشاريع تُفرض خارج التوافق بالقوة بصرف النظر عمن يدعمها سوى إلى غرس بذور جديدة لصراعات قادمة تورث للأجيال اللاحقة.
- مرتكزات الإرادة الحضرمية بين معوقات التحقق و«التفاؤل الاضطراري»:
ويبقى الرهان الحقيقي في القدرة على نقل هذه المرتكزات من حيّز التصور إلى قوة سياسية واجتماعية مؤسسية قادرة على حضور مؤثر في معادلة القرار. إذ أن هذا البناء لا يحافظ على تماسكه إلا بقدر ما تستقر مرتكزاته وتتساند عناصره؛ فكلما اختل أحد أركانه، تراجع مضمون التمثيل وضعفت المرجعية القادرة على مساءلة من يتحدث باسم حضرموت والتحقق من مدى التزامه بقضاياها ومصالحها الجامعة، ناهيك عن متابعة المركز في الوفاء بالتزاماته.
ومع ذلك، فإن ما يبعث على قدر من «التفاؤل الاضطراري» ــ إن جاز التعبير ــ أن حقوق حضرموت، بخلاف كثير من القضايا السياسية الأخرى، لا تبدو في أصلها محل خلاف بين أبنائها؛ فقلّ أن يوجد من يعارض توسيع هذه الحقوق أو يقبل بالانتقاص منها، وهو ما يجعل التوافق حولها أقرب من التوافق حول قضايا أكثر استقطابًا، خاصة في ضوء ما كشفه مسار هذه القضية خلال السنوات العشر الماضية من دروس وعِبر. ولا ينتقص ذلك، بطبيعة الحال، من مشروعية الاختلاف في الرؤى والوسائل والتقديرات السياسية، فالتباين يظل سمة ملازمة للعمل العام ما دامت السياسة مجالًا للاجتهاد وتعدد الخيارات. غير أن هذا الاختلاف ينبغي أن يظل محصورًا في سبل تحقيق الحقوق وآليات تحقيقها وحمايتها، لا في إهدارها من خلال المزايدة باسمها.. فحقوق حضرموت تمثل أرضية مشتركة يُفترض الانطلاق ليس لتحقيقها فقط، بل لتشكل أرضية يمكن البناء عليها في إيجاد مشتركات في قضايا أخرى. غير أن هذا التفاؤل، للأسف الشديد، لم يلغِ إشكالًا أعمق بدأ في الظهور وفي وقت مبكر، تمثل في التنازع على تمثيل الحقوق واحتكار التعبير عنها، وكأنها إقطاعية خاصة بفئة دون غيرها، فكانت النتيجة أن انصرف التنافس من مضمون الحقوق وآليات تحقيقها إلى شرعية المتحدثين باسمها وحدود تمثيلهم لها.
- الإخفاق الحضرمي: حين توظف الحقوق خارج مقاصدها
إلا أن دلالة هذا الانزياح ومخاطره لا تقف عند حدود الفاعلين المحليين، بل تمتد إلى ما وراءهم، الأمر الذي يفرض التوقف أمام دروس الماضي القريب والبعيد: فقد أثبت تراكم التجارب أن حقوق حضرموت ــ بوصفها التعبير الأوضح عن موقعها في صناعة القرار وحجم حضورها فيه ــ مهما بلغت عدالتها ومشروعية مطالبها، لا يمكن أن تُبنى على الارتهان للخارج، يمنيًا كان أم إقليميًا.. وأن الفاعلين الخارجيين قد يجارون الخطاب المحلي أو يتبنون بعض مطالبه مرحليًا، لكنهم في نهاية المطاف يتحركون وفق حساباتهم ومصالحهم الخاصة، لا وفق اعتبارات عاطفية أو التزامات أخلاقية تجاه هذا الطرف أو ذاك. ومن الخطأ الاعتقاد أن دعم الخارج لقضية ما يعني بالضرورة تطابق مصالحه مع مصالح أصحابها، إذ كثيرًا ما تتقاطع المصالح في مرحلة، ثم تتباعد أو تتعارض في مراحل لاحقة.. فحسابات الدول حسابات جيوسياسية صلبة لا مكان للعاطفة فيها إلا بالقدر الذي توظف فيه هذه الدول أصحاب هذه المطالب وعواطفهم كأدوات مرحلية لتحقيق الغايات المسكوت عنها، التي تتكشف بعد فوات الأوان للمخدوعين بها.
وعليه، فإن أي توافق حضرمي جاد حول هذه الحقوق أو غيرها، يظل رهينًا بتغليب المصلحة الحضرمية الجامعة، ومراجعة الاعتبارات والأجندات التي أعاقت التوافق خلال المرحلة الماضية مراجعةً صريحة ومسؤولة. فالحماية الفعلية لهذه الحقوق، وفي مقدمتها حق المشاركة في صناعة القرار، لا تُبنى على الارتهان للخارج، بل على بناء حالة حضرمية متماسكة تستند إلى توافق جمعي حضرمي داخلي حول الحقوق نفسها ووسائل تحقيقها وحمايتها.. فكلما اتسعت دائرة هذا التوافق تراجعت قدرة الآخرين على استثمار الانقسامات الداخلية أو توظيفها، فيما يؤدي تعمق الانقسام إلى جعل الساحة أكثر عرضة لتقاطع الحسابات والمشاريع القادمة من الخارج. وهنا ينتصب التحدي الأهم أمام الحضارم اليوم ــ كما أسلفنا ــ في الانتقال من الانشغال بما يُفرق بينهم إلى التوافق على ما يجمعهم من مشتركات.
- خاتمة: بين ما تريده حضرموت وما يُراد لها:
ومع ذلك، فإن هذا التشخيص لا يقفل المسار، بل يعيد فتحه على الإرادة الذاتية، فهو ليس قدرًا محتومًا، بل يضع الحضارم أمام مسارين: إما شراكة واعية في صياغة مستقبلهم، وإما انزلاق ــ بوعي أو بدونه ــ إلى موقع التموضع كأدوات محلية في استراتيجيات الغير، يمنية كانت أو إقليمية تتجاوزهم وتتحرك بهم أكثر مما يتحركون بها.. فبين المسارين لا يقف سوى أبناء حضرموت أنفسهم؛ إذ هم وحدهم القادرون على مراجعة التجربة واستيعاب دروسها واستخلاصها، ومغادرة أوجه التنازع العبثي .. فكلما اتسع نطاق التوافق، ارتفعت القدرة على تحويل الحقوق من مطالب معلقة إلى مكتسبات ناجزة، ومن شعارات إلى وقائع في معادلة القرار، والاختيار بين المسارين لن يُحسمه أحد نيابةً عنهم، بل هم وحدهم من يملكون ترجيح كفة هذا الخيار على ما سواه .. إن ما لا يصنعه أهل القضية بوعيهم وبتوافقهم لأنفسهم ولقضيتهم، لن يصنعه لهم الآخرون، مهما بدت وعود هذا الآخر كبيرة وشعاراته جذابة.
والله من وراء القصد، وهو الموفق والمستعان،،،















