> «الأيام» غرفة الأخبار:

مثلما يبتكر الكبار أساليبهم الالتفافية للبقاء، يبتكر الصغار في اليمن طرقهم الخاصة للانتصار على الجوع.

في شوارع تعز وعدن وإب المنهكة، تحولت"المطبات" المرورية أو الحفر الناتجة عن تهالك البنية التحتية، بفعل الحاجة، إلى منصات عمل قسرية للأطفال. هناك حيث تنجبر العجلات على التهدئة، يبدأ الأطفال ركضهم اليومي لتسريع الوصول إلى لقمة عيش مغموسة بعرق الطفولة المهدورة.

ففي ظل ظروف معيشية معقدة، يواجه ملايين الأطفال في اليمن تحديات وجودية دفعتهم مجبرين إلى هجر فصول الدراسة، واستبدال الحقائب المدرسية بثلاجات الماء وبسطات الرصيف. 
  • بحث عن لقمة عيش تحت الشمس 
في كل صباح، يستيقظ الطفل عيسى حسن أحمد (11 عاما) ليخوض معركته اليومية في بيع المياه الباردة وسط مدينة تعز. تبدأ رحلته مع خيوط الفجر الأولى ولا تنتهي إلا بمغيب الشمس، مقتطعا من جسده الغض طاقة لا تحتملها سنوات عمره الصغيرة: "أخرج من الصباح بدري (باكرا) أبيع الماء عشان أوفر لقمة العيش لأمي وإخواني". بهذه الكلمات العفوية التي تختزل طفولة مسروقة، بدأ عيسى حديثه للجزيرة نت.

ويشرح كيف يقسم وقته بين حقيبته المدرسية ورصيف البيع، قائلا: "في أيام الدراسة أذهب إلى المدرسة لكنني أضطر للمغادرة مجبرًا قبل انتهاء الحصص الأخيرة، حتى أتمكن من اللحاق بوالدي ومساعدته في البيع. أما في أيام الإجازة، فأنا مرابط هنا من الصباح الباكر وحتى المساء".

لم يعد عيسى ينظر إلى الحياة بعيون طفل يترقب اللعب؛ بل بعيون رجل مسؤول عن عائلة: "لي سنة ونصف وأنا أطلب الله في الشارع، والحمد لله، أهم شيء أننا نوفر مصروف البيت. السوق ضعيف والدخل قليل".

يجول عيسى الشوارع المزدحمة، يتتبع السيارات التي تبطئ سرعتها عند المنعطفات والمطبات، ينادي السائقين والمارة: "تشتي ماء؟". وعن وعثاء هذا اليوم الطويل يقول للجزيرة نت: "الشمس والتعب يرهقاني كثيرًا، وعندما يشتد بي التعب، أجلس فوق ثلاجة الماء لأستريح قليلًا، ثم أواصل العمل حتى يكتمل ما معي من زجاجات، وأعود لأنام لأبدأ الكفاح في الصباح التالي". 
  • دولاران من عرق الطفولة المهدورة 
تتراوح الحصيلة اليومية لعيسى بمفرده بين 2000 و3000 ريال يمني (نحو 1.5 دولار إلى دولارين بحسب أسعار الصرف المحلية)، بينما تصل الحصيلة الإجمالية الشاملة لعنائه برفقة أخيه ووالده الستيني إلى 8 آلاف إلى 9 آلاف ريال يمني يوميًا.

هذا المبلغ الزهيد، الذي يتآكل كل صباح أمام شبح التضخم وغلاء الأسعار، يذهب مباشرة لسد الفجوة الغذائية للأسرة؛ ويوضح عيسى للجزيرة نت بمادية بريئة فرضها الواقع، قائلًا: "كل ما نجمعه من فلوس نأخذ بها مصروفًا للبيت فورًا، نشتري الدقيق والسكر، وبعض المستلزمات الضرورية".

ورغم هذا الحصار اليومي، ما زال عيسى يملك متسعًا للحلم: "أحلم أن أكون مهندسًا أو دكتورًا أريد فقط عملًا ثابتا يبني لي مستقبلًا ويحمي عائلتي من ذل الحاجة". 
  • من جحيم تهامة إلى أرصفة تعز 
على بعد أمتار قليلة من عيسى، وفي الجولة الصاخبة ذاتها، يقف والده حسن أحمد (60 عاما) برأس اشتعل شيباً وظهر انحنى أمام تقلبات الزمن.

يتحدث الأب للجزيرة نت والدموع تحتبس في تجاعيد وجهه: "نحن هنا ليس باختيارنا. نحن نازحون فررنا من جحيم الحرب في محافظة الحديدة (تهامة)، جئنا إلى تعز ولا نملك من حطام الدنيا شيئًا، سكنّا في مخيم عشوائي قريب من الجولة، ولم نجد سوى بيع الماء سبيلًا للبقاء".

ينظر الأب إلى طفله عيسى وهو يركض بين حافلات النقل الكبيرة، ويمضي قائلًا والغصة تخنق كلماته: "عيسى يأتي ليعينني فور خروجه من المدرسة.. يوم نحصل على رزق ويوم لا نجد شيئًا، ونمضي على ما يكتبه الله لنا".

ويضيف "عيسى يكسب بمفرده بين 2000 و3000 ريال.. يعلم الله أنني لا أريد أن أرمي بطفل في هذا العمر إلى قارعة الطريق وتحت رحمة عجلات السيارات، لكن ما باليد حيلة؟ كيف نغطي مصاريف الإيجار والمخيم والطعام إن لم يساعدني الصغار؟". 
  • مشهد يتكرر 
قصة عيسى واختياره للمطبات ليست حالة فردية، بل هي "كتالوج" يومي يطبقه آلاف الأطفال في اليمن الذين باتوا يدرسون جغرافية الرصيف بدقة؛ أين توجد حفرة؟ أين يوجد زحام؟ هناك تجدهم يتلقفون المارة.

هذا المشهد رصدته الجزيرة نت في مسح ميداني شمل عدة مناطق يمنية؛ ففي "شارع النازحين" بمديرية شرعب الرونة، يقف الطفل عاصم رضوان خلف بسطة خشبية متواضعة، يبيع أقلامًا ودفاتر ومستلزمات مدرسية بسيطة، بدلًا من أن يكون مستهلكًا لها داخل الصف.

وفي شوارع مدينة إب، ومناطق"العدين"، و"حدبة"، و"نجد الجماعي"، تكرر المشهد بالملامح ذاتها: أطفال بعمر الورود يقفون وسط العوادم والغبار، يبيعون المناديل، والماء، والوجبات الخفيفة.

وفي شارع جمال بتعز، التقينا الطفل ربيع محمد (8 أعوام) يجلس على الأسفلت الخشن وأمامه أعواد الأسنان الصغيرة يبيعها للمارة. يقول ربيع للجزيرة نت ببراءة مكلومة: "أبيع كيس الأعواد بـ200 ريال عشان أساعد أبي نشتري خبز للبيت". ويضيف بأسى: "ما في ناس تشتري مني إلا قليل والشمس أحرقتني".

وتشير أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إلى أن هناك أكثر من 2.4 مليون طفل يمني في سن الدراسة هم خارج المدارس حاليًا، في حين يواجه نحو 8.5 ملايين طفل آخرين خطر التسرب نتيجة تدمير البنية التحتية للمدارس وتوقف رواتب المعلمين منذ سنوات.

كما تحولت عمالة الأطفال من مجرد "مساعدة عائلية مؤقتة" إلى "استراتيجية بقاء" لأكثر من 35 % من الأسر النازحة والفقيرة التي لم تعد تجد مصدرًا للدخل، مما يضطرها للدفع بأطفالها إلى الشوارع والمهن الشاقة مثل البناء وجمع البلاستيك وبيع الأرصفة.