لن تكون تلك الإجراءات الحكومية اليمنية ضد مسؤولي المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه ذات فاعلية، كما هي الحال تمامًا مع فكرة دمج الميليشيات، التي ستنتهي - مع توزيعها بين الدفاع والداخلية - إلى ولادة طبقة مسيطرة، في ظل غياب قوة عسكرية مهيمنة، وهو ما تشكّل مخاوف أهل حضرموت مثالًا عليه.
المتغيّر في أرض اليمن ليس تلك الانشقاقات في مجلس الرئاسة أو غيره، ولا مخاوف سيطرة طرف على آخر فحسب، بل علينا أن نقرأ حسابات القوى الفاعلة في اليمن، ومعها الجهات الداعمة، التي يرى كل منها طريقًا متباينًا عن الآخر لصيانة هدف عدم تقدّم الجماعات المتطرفة. وإذا ركزنا الحديث على السعودية - التي تدعم مجلس الرئاسة - أمكننا القول إنها تتبع سياسة خاصة تقوم على ضبط تحركات كهذه من خلال قيادات قريبة من توجهها، قادرة على التعامل معها، وهي السياسة ذاتها التي تتبعها في أماكن أخرى، في إطار سعيها إلى إرساء السلام في هذه الدول.
في حين تدعم جهات أخرى - غير السعودية - جماعات مضادة فكريًا للجماعات المستهدفة. وقد يوحّد الهدف رغبة هذه الجهات في دعم استقرار اليمن، لكن للظروف مفاجآتها، ولا سيما في إطار اعتماد السعودية مناهج سياسية مستحدثة في التعامل مع المجتمع الدولي.
وبعد وصول مشهد الصراع الإيراني الأمريكي إلى حدّ أربك الولايات المتحدة في استيعاب فشل لم يكن متوقعًا، ظهرت جليًا أهمية العمل المضاد لمحاولة الولايات المتحدة الاستحواذ على رغبات شعوب المنطقة، في مقابل اعتماد جهات أخرى داعمة للجانب الجنوبي في اليمن على فكرة سقطت قداستها، عمادها طول يد الولايات المتحدة، التي تمنح من يوافق رغباتها إكسيرًا للتفرّد، بما يقتضي السير في اتجاه عدم مناكفة إسرائيل.
ليست المشكلة في التعامل مع إسرائيل، بل في التسليم بأنها المنفذ الوحيد للعلاقات. غير أن تقلّب أحوال المحيط، بما يضمن للمليشيا المدعومة من إيران مساحة عمل تفرضها ضرورة تأنّي الولايات المتحدة خشية وقوع محذور أكبر من ذلك الذي سقطت في وحله، يجعل من هذه المساحة الميليشياوية عاملًا يفرض على إسرائيل تغيير شكل ضغطها على إيران، ولا سيما مع محاولة ترامب إبعادها عن إقلاق الساحة اللبنانية، في مسعى منه لتثبيت مساره المتسلل خلف فرصة مواتية ينهي فيها ملف إيران كما يريد.
ويعني ذلك أن ولادة وشيكة لميليشيات جديدة في الشكل والهوية ليست أمرًا مستبعدًا، وليس حتميًا أن تكون بإدارة إسرائيلية مباشرة، فقد تدخل جهات أخرى في تسهيل مهمة كهذه. وهذه الضربات الإسرائيلية غير المباشرة لإيران ينبغي أن تحيد عن لبنان، وكذلك العراق مؤقتًا، بغية عدم تعريض الولايات المتحدة للإحراج في حال التشويش على مهمة توم براك. ونقول: مؤقتًا؛ لأنها سوف تفعل ذلك في هاتين الدولتين، أو تحاول على الأقل، مع الانتباه إلى امتداد محاولات كهذه إلى الجوار. والتذكير أيضًا بأن براك لا يؤمن باللامركزية أو الفيدرالية بوصفهما نظامين صالحين في المنطقة، وهو جزء من منظومة تجد ما يكمّلها عند بولس مسعد وتصريحاته حول توحيد اليمن ودعم دول الجوار ضد الحوثي.
وطالما فرض هذا الواقع نفسه، فسوف تشهد الساحة اليمنية شكلًا جديدًا لمواجهة جماعة الحوثي، غير أن تشكيل الصراع اليمني الجديد لا يتوقف عند هذا المتغيّر الطارئ، بل تحكمه اعتبارات تقوم على طبيعة العلاقة الجديدة مع إيران، سواء من قبل السعودية أو غيرها. ومن جهة ثانية، سوف يبدأ الصراع الذي يتخذ من تشكيلات الإسلام السياسي شكلًا جديدًا يُهمل معه قواعده التقليدية. ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل سيطال أقليات المنطقة أيضًا، ويغيّر تبعًا لذلك شكل التعاطي معها واتجاهه. ولا تشكّل زيارة مظلوم عبدي الأخيرة إلى فرنسا مثالًا فريدًا في هذا السياق.
وفي نطاق داخلي، علينا إدراك أن جماعة الحوثي، ومعها باقي الميليشيات المدعومة من إيران، سوف تدفعها حالة «الربط على حافة الوادي»، التي دفعتها إليها إيران، نحو إعادة التفكير في أسس حضورها وإمدادها، ولا سيما مع سيطرتها على نقاط حيوية. وهذا يعني - والحديث هنا خاص باليمن - أن توزيع مشهد الصراع في اليمن سوف يشهد انقلابًا، ربما أكبر من ذلك الذي كان علي عبد الله صالح حاضرًا فيه.
سوف ينقلب العدو حليفًا، وكذلك العكس، ولكن بصورة هجينة لا تجمع الأشكال التقليدية للحليف والعدو، بما يغيّر نسيج علاقات الجهات الداعمة، نتيجة تغيّر المصالح الدولية الذي سيطرأ بعد هذا الإخفاق الأمريكي.
وفي خارطة القوى الفصائلية التقليدية في اليمن، سوف تبرز فكرة دمج هذه الفصائل وتوزيعها بين قوى عسكرية وأخرى أمنية بوصفها عاملًا مشرذمًا أكثر منه جامعًا، نتيجة انعدام وجود قوة كبرى تُخضع الفصائل الأخرى إخضاعًا يتجاوز عمليات الكسب وربح الصفقات التي تؤطر هذا النوع من الاندماج. وهذا المصير ذاته سيواجه دولًا أخرى تفعل الشيء نفسه. وفي نظرنا، فإن فكرة دمج الفصائل في الدولة تعني مزيدًا من الانقسام، لاعتبارات لا مجال لذكرها هنا.
هذه الصورة سوف تُنجب مشهدًا غير منتج ولا مثمر، يصبح معه استمرار تعامل الجهات الداعمة من بوابة مواجهة جماعة الحوثي أمرًا بلا معنى، فضلًا عن ارتفاع كلفته. ولا تخرج محاولات جمع الفرقاء اليمنيين، الجنوبيين وغيرهم، عن هدف كهذا. وقد بدأت السعودية وغيرها بالفعل بفتح جسور تعاون مع إيران، بل وشجعت لبنان على ذلك، في خطوة مهمة للتخلص من ابتزاز أمريكي لم يعد مجديًا التعامل معه بوصفه واقعًا مفروضًا. غير أن هذا الابتزاز سيضاعف من قلق المشهد بعد محاولاته الكيدية لصدّ هذا التمرّد. كما أن تدخل سوريا في لبنان لن يكون عنصرًا فريدًا بين عناصر هذا القلق.
المتغيّر في أرض اليمن ليس تلك الانشقاقات في مجلس الرئاسة أو غيره، ولا مخاوف سيطرة طرف على آخر فحسب، بل علينا أن نقرأ حسابات القوى الفاعلة في اليمن، ومعها الجهات الداعمة، التي يرى كل منها طريقًا متباينًا عن الآخر لصيانة هدف عدم تقدّم الجماعات المتطرفة. وإذا ركزنا الحديث على السعودية - التي تدعم مجلس الرئاسة - أمكننا القول إنها تتبع سياسة خاصة تقوم على ضبط تحركات كهذه من خلال قيادات قريبة من توجهها، قادرة على التعامل معها، وهي السياسة ذاتها التي تتبعها في أماكن أخرى، في إطار سعيها إلى إرساء السلام في هذه الدول.
في حين تدعم جهات أخرى - غير السعودية - جماعات مضادة فكريًا للجماعات المستهدفة. وقد يوحّد الهدف رغبة هذه الجهات في دعم استقرار اليمن، لكن للظروف مفاجآتها، ولا سيما في إطار اعتماد السعودية مناهج سياسية مستحدثة في التعامل مع المجتمع الدولي.
وبعد وصول مشهد الصراع الإيراني الأمريكي إلى حدّ أربك الولايات المتحدة في استيعاب فشل لم يكن متوقعًا، ظهرت جليًا أهمية العمل المضاد لمحاولة الولايات المتحدة الاستحواذ على رغبات شعوب المنطقة، في مقابل اعتماد جهات أخرى داعمة للجانب الجنوبي في اليمن على فكرة سقطت قداستها، عمادها طول يد الولايات المتحدة، التي تمنح من يوافق رغباتها إكسيرًا للتفرّد، بما يقتضي السير في اتجاه عدم مناكفة إسرائيل.
ليست المشكلة في التعامل مع إسرائيل، بل في التسليم بأنها المنفذ الوحيد للعلاقات. غير أن تقلّب أحوال المحيط، بما يضمن للمليشيا المدعومة من إيران مساحة عمل تفرضها ضرورة تأنّي الولايات المتحدة خشية وقوع محذور أكبر من ذلك الذي سقطت في وحله، يجعل من هذه المساحة الميليشياوية عاملًا يفرض على إسرائيل تغيير شكل ضغطها على إيران، ولا سيما مع محاولة ترامب إبعادها عن إقلاق الساحة اللبنانية، في مسعى منه لتثبيت مساره المتسلل خلف فرصة مواتية ينهي فيها ملف إيران كما يريد.
ويعني ذلك أن ولادة وشيكة لميليشيات جديدة في الشكل والهوية ليست أمرًا مستبعدًا، وليس حتميًا أن تكون بإدارة إسرائيلية مباشرة، فقد تدخل جهات أخرى في تسهيل مهمة كهذه. وهذه الضربات الإسرائيلية غير المباشرة لإيران ينبغي أن تحيد عن لبنان، وكذلك العراق مؤقتًا، بغية عدم تعريض الولايات المتحدة للإحراج في حال التشويش على مهمة توم براك. ونقول: مؤقتًا؛ لأنها سوف تفعل ذلك في هاتين الدولتين، أو تحاول على الأقل، مع الانتباه إلى امتداد محاولات كهذه إلى الجوار. والتذكير أيضًا بأن براك لا يؤمن باللامركزية أو الفيدرالية بوصفهما نظامين صالحين في المنطقة، وهو جزء من منظومة تجد ما يكمّلها عند بولس مسعد وتصريحاته حول توحيد اليمن ودعم دول الجوار ضد الحوثي.
وطالما فرض هذا الواقع نفسه، فسوف تشهد الساحة اليمنية شكلًا جديدًا لمواجهة جماعة الحوثي، غير أن تشكيل الصراع اليمني الجديد لا يتوقف عند هذا المتغيّر الطارئ، بل تحكمه اعتبارات تقوم على طبيعة العلاقة الجديدة مع إيران، سواء من قبل السعودية أو غيرها. ومن جهة ثانية، سوف يبدأ الصراع الذي يتخذ من تشكيلات الإسلام السياسي شكلًا جديدًا يُهمل معه قواعده التقليدية. ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل سيطال أقليات المنطقة أيضًا، ويغيّر تبعًا لذلك شكل التعاطي معها واتجاهه. ولا تشكّل زيارة مظلوم عبدي الأخيرة إلى فرنسا مثالًا فريدًا في هذا السياق.
وفي نطاق داخلي، علينا إدراك أن جماعة الحوثي، ومعها باقي الميليشيات المدعومة من إيران، سوف تدفعها حالة «الربط على حافة الوادي»، التي دفعتها إليها إيران، نحو إعادة التفكير في أسس حضورها وإمدادها، ولا سيما مع سيطرتها على نقاط حيوية. وهذا يعني - والحديث هنا خاص باليمن - أن توزيع مشهد الصراع في اليمن سوف يشهد انقلابًا، ربما أكبر من ذلك الذي كان علي عبد الله صالح حاضرًا فيه.
سوف ينقلب العدو حليفًا، وكذلك العكس، ولكن بصورة هجينة لا تجمع الأشكال التقليدية للحليف والعدو، بما يغيّر نسيج علاقات الجهات الداعمة، نتيجة تغيّر المصالح الدولية الذي سيطرأ بعد هذا الإخفاق الأمريكي.
وفي خارطة القوى الفصائلية التقليدية في اليمن، سوف تبرز فكرة دمج هذه الفصائل وتوزيعها بين قوى عسكرية وأخرى أمنية بوصفها عاملًا مشرذمًا أكثر منه جامعًا، نتيجة انعدام وجود قوة كبرى تُخضع الفصائل الأخرى إخضاعًا يتجاوز عمليات الكسب وربح الصفقات التي تؤطر هذا النوع من الاندماج. وهذا المصير ذاته سيواجه دولًا أخرى تفعل الشيء نفسه. وفي نظرنا، فإن فكرة دمج الفصائل في الدولة تعني مزيدًا من الانقسام، لاعتبارات لا مجال لذكرها هنا.
هذه الصورة سوف تُنجب مشهدًا غير منتج ولا مثمر، يصبح معه استمرار تعامل الجهات الداعمة من بوابة مواجهة جماعة الحوثي أمرًا بلا معنى، فضلًا عن ارتفاع كلفته. ولا تخرج محاولات جمع الفرقاء اليمنيين، الجنوبيين وغيرهم، عن هدف كهذا. وقد بدأت السعودية وغيرها بالفعل بفتح جسور تعاون مع إيران، بل وشجعت لبنان على ذلك، في خطوة مهمة للتخلص من ابتزاز أمريكي لم يعد مجديًا التعامل معه بوصفه واقعًا مفروضًا. غير أن هذا الابتزاز سيضاعف من قلق المشهد بعد محاولاته الكيدية لصدّ هذا التمرّد. كما أن تدخل سوريا في لبنان لن يكون عنصرًا فريدًا بين عناصر هذا القلق.


















